(يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (٢٧)
لأنّ أصله من الماء وهو منها (يُوارِي سَوْآتِكُمْ) يستر عوراتكم (وَرِيشاً) لباس الزينة استعير من ريش الطير ، لأنه لباسه وزينته ، أي أنزلنا عليكم لباسين لباسا يواري سوءاتكم ولباسا يزينكم (وَلِباسُ التَّقْوى) ولباس الورع الذي يقي العقاب ، وهو مبتدأ وخبره الجملة ، وهي (ذلِكَ خَيْرٌ) كأنه قيل ولباس التقوى هو خير ، لأنّ أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذّكر ، أو ذلك صفة للمبتدأ وخير خبر المبتدأ ، كأنه قيل ولباس التقوى المشار إليه خير ، أو لباس التقوى خبر مبتدأ محذوف أي وهو لباس التقوى ، أي ستر العورة لباس المتقين ، ثم قال ذلك خير ، وقيل ولباس أهل التقوى من الصوف والخشن ، ولباس التقوى مدني وشامي وعليّ عطفا على لباسا أي وأنزلنا عليكم لباس التقوى (ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ) الدالة على فضله ورحمته على عباده ، يعني إنزال اللباس (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) فيعرفوا عظيم النعمة فيه ، وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السّوءات وخصف الورق عليها إظهارا للمنّة فيما خلق من اللباس ، ولما في العري من الفضيحة ، وإشعارا بأن التستر من التقوى.
٢٧ ـ (يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) لا يخدعنّكم ولا يضلنّكم بأن لا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم بأن أخرجهما منها (يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما) حال ، أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سببا في أن نزع عنهما ، والنهي في الظاهر للشيطان ، وفي المعنى لبني آدم ، أي لا تتّبعوا الشيطان فيفتنكم (لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما) عوراتهما (إِنَّهُ) الضمير للشأن والحديث (يَراكُمْ هُوَ) تعديل للنهي وتحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو المداجي (١) يكيدكم من حيث لا تشعرون (وَقَبِيلُهُ) وذريته ، أو وجنوده من الشياطين ، وهو عطف على الضمير في يراكم المؤكّد بهو ، ولم يعطف عليه لأنّ معمول الفعل هو المستكن دون هذا البارز ، وإنما يعطف على ما هو معمول الفعل (مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) قال ذو النون : إن كان هو يراك من حيث لا تراه فاستعن بمن يراه من حيث لا يراه وهو الله الكريم الستّار الرحيم الغفار (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) فيه دلالة خلق الأفعال.
__________________
(١) المداجي : الذي يستر عداوته لكم عنكم.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
