(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (١٠٠)
قوله : (وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ) (١) ومعنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر أنه حين استقبلهم أنزلهم في مضرب خيمة أو قصر كان له ثمة ، فدخلوا عليه وضمّ إليه أبويه (وَقالَ) لهم بعد ذلك (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ) من ملوكها ، وكانوا لا يدخلونها إلّا بجواز ، أو من القحط ، وروي أنه لما لقيه قال يعقوب عليهالسلام : السلام عليك يا مذهب الأحزان ، وقال له يوسف : يا أبت بكيت عليّ حتى ذهب بصرك ألم تعلم أنّ القيامة تجمعنا؟ فقال : بلى ولكن خشيت أن يسلب دينك فيحال بيني وبينك ، وقيل إنّ يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجال ونساء ، وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون رجلا سوى الذرية والهرمى ، وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف.
١٠٠ ـ (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) قيل لما دخلوا مصر وجلس في مجلسه مستويا على سريره واجتمعوا إليه أكرم أبويه ، فرفعهما على السرير ، وخروا له يعني الإخوة الأحد عشر والأبوين سجّدا ، وكانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد ، وقال الزّجّاج : سنّة التعظيم في ذلك الوقت أن يسجد للمعظّم ، وقيل ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجباه ، وخرورهم سجّدا يأباه ، وقيل وخروا لأجل يوسف سجّدا لله شكرا ، وفيه نبوة أيضا ، واختلف في استنبائهم (وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها) أي الرؤيا (رَبِّي حَقًّا) أي صادقة ، وكان بين الرؤيا وبين التأويل أربعون سنة ، أو ثمانون ، أو ست وثلاثون ، أو ثنتان وعشرون (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي) يقال أحسن إليه وبه وكذلك أساء إليه وبه (إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) ولم يذكر الجبّ لقوله لا تثريب عليكم اليوم (وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) من البادية لأنهم كانوا أصحاب مواش يتنقّلون في المياه والمناجع (٢) (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) أي أفسد بيننا وأغرى (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ) أي لطيف التدبير (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) بتأخير الآمال إلى الآجال ، أو حكم بالائتلاف بعد الاختلاف.
__________________
(١) البقرة ، ٢ / ١٣٣.
(٢) المناجع جمع نجع وهو موضع الكلأ.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
