يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ) (٤١)
(شَيْءٍ) أي شيء كان صنما أو غيره ، ثم قال (ذلِكَ) التوحيد (مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) فضل الله ، فيشركون به ولا يتنبّهون (١).
٣٩ ـ (يا صاحِبَيِ السِّجْنِ) يا ساكني السجن كقوله : (أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ) (٢) (أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ) يريد التفرّق في العدد والتكاثر ، أي أن تكون أرباب شتى يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا خير لكما أم يكون لكما ربّ واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في الربوبية ، وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ولعبادة الأصنام.
٤٠ ـ (ما تَعْبُدُونَ) خطاب لهما ولمن كان على دينهما من أهل مصر (مِنْ دُونِهِ) من دون الله (إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ) أي سميتم ما لا يستحق الإلهية آلهة ، ثم طفقتم تعبدونها ، فكأنكم لا تعبدون إلّا أسماء لا مسميّات لها ، ومعنى سميتموها سمّيتم بها ، يقال سميته زيدا وسميته بزيد (ما أَنْزَلَ اللهُ بِها) بتسميتها (مِنْ سُلْطانٍ) حجّة (إِنِ الْحُكْمُ) في أمر العبادة والدين (إِلَّا لِلَّهِ) ثم بين ما حكم به فقال (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) الثابت الذي دلت عليه البراهين (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) وهذا يدلّ على أنّ العقوبة تلزم العبد وإن جهل إذا أمكن له العلم بطريقه. ثم عبر الرؤيا فقال :
٤١ ـ (يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما) يريد الشرابيّ (فَيَسْقِي رَبَّهُ) سيّده (خَمْراً) أي يعود إلى عمله (وَأَمَّا الْآخَرُ) أي الخباز (فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) روي أنه قال للأول : ما رأيت من الكرمة (٣) هو الملك وحسن حالك عنده ، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت
__________________
(١) في (ز) ينتهون.
(٢) الحشر ، ٥٩ / ٢٠.
(٣) زاد في (ز) وحسنها.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
