(وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) (١٤٩)
وإنّما نسبت إليهم مع أنّها كانت عواريّ (١) في أيديهم لأنّ الإضافة تكون بأدنى (٢) ملابسة ، وفيه دليل على أنّ من حلف أن لا يدخل دار فلان فدخل دارا استعارها يحنث ، على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم ، وفيه دليل على أنّ الاستيلاء على أموال الكفار يوجب زوال ملكهم عنها ، نعم المتخذ هو السامري ولكنهم رضوا به فأسند الفعل إليهم ، والحليّ جمع حلي وهو اسم ما يتحسّن به من الذهب والفضة ، حليهم حمزة وعلي للإتباع (عِجْلاً) مفعول اتخذ (جَسَداً) بدل منه ، أي بدنا ذا لحم ودم كسائر الأجساد (لَهُ خُوارٌ) هو صوت البقر ، والمفعول الثاني محذوف ، أي إلها ، عجّب من عقولهم السخيفة فقال (أَلَمْ يَرَوْا) حين اتخذوه إلها (أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً) لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل حتى لا يختاروه على من لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته ، وهو الذي هدى الخلق إلى سبيل الحقّ بما ركّز في العقول من الأدلة ، وبما أنزل في الكتب ، ثم ابتدأ فقال (اتَّخَذُوهُ) إلها فأقدموا على هذا الأمر المنكر (وَكانُوا ظالِمِينَ).
١٤٩ ـ (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) ولما اشتدّ ندمهم على عبادة العجل ، وأصله أنّ من شأن (٣) من اشتدّ ندمه أن يعضّ يده غما ، فتصير يده مسقوطا فيها ، لأنّ فاه وقع فيها ، وسقط مسند إلى في أيديهم ، وهو من باب الكناية ، وقال الزجّاج معناه سقط الندم في أيديهم ، أي في قلوبهم وأنفسهم ، كما يقال حصل في يده مكروه وإن استحال أن يكون في اليد ، تشبيها لما يحصل في القلب ، وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين (وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا) وتبينوا ضلالهم تبيّنا كأنهم أبصروه بعيونهم (قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا) لئن لم ترحمنا ربّنا وتغفر لنا حمزة وعليّ. وانتصاب ربّنا على النداء (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) المغبونين في الدنيا والآخرة.
__________________
(١) العواري : جمع عارة ، وهو ما يتداولونه بينهم (القاموس ٢ / ٩٧).
(٢) في (ز) لأدنى.
(٣) ليس في (أ) و (ظ) أن من شأن.
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
