أي انتظرتم موت نبيكم أو أخرتم التوبة بالتسويف (وَارْتَبْتُمْ) أي شككتم في دين الإسلام والبعث (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ) أي الأحاديث الكاذبة بطول الأمل (حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللهِ) أي الموت ودخول النار يوم القيامة (وَغَرَّكُمْ بِاللهِ) أي خدعكم به (الْغَرُورُ) [١٤] أي الشيطان.
(فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥))
(فَالْيَوْمَ) أي في هذا اليوم (لا يُؤْخَذُ) بالياء والتاء (١)(مِنْكُمْ فِدْيَةٌ) أي الفداء (وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي جحدوا بتوحيد الله (مَأْواكُمُ) أي مصيركم أيها المنافقون والكافرون (النَّارُ) هو (مَوْلاكُمْ) أي أولى بكم يتصرف فيكم تصرف المولى على عبيده بما كسبتم من الذنوب (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [١٥] أي المرجع هو.
(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦))
ونزل عتابا للمؤمنين الذين استبطأ الله قلوبهم من الخشوع للذكر وللقرآن عند قراءتهم إياه (٢)(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي ألم يجئ لهم حين (أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ) أي تخاف وتلين (لِذِكْرِ اللهِ) أي إذا ذكر فترق فتنيب إليه بالعمل الصالح فاللام للتوقيت (وَما نَزَلَ) بالتشديد والتخفيف (٣) ، أي وأن تخشع لما نزل (مِنَ الْحَقِّ) وهو القرآن بذكر الحلال والحرام ، قيل : إن المؤمنين الذين كانوا بمكة يقرؤون القرآن كثيرا ويعملون به وهم في حال الجدب والقحط ، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت الآية (٤) ، قوله (وَلا يَكُونُوا) بالياء (٥) عطف على قوله (أَنْ تَخْشَعَ) ، أي ألم يأن لهم أن لا تكونوا (كَالَّذِينَ) أي مشبهين بالذين (أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ) أي قبل القرآن وهم اليهود والنصارى في القسوة ، قوله (فَطالَ) بيان لحالهم ، أي طال (عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ) أي الأمل أو الوقت (فَقَسَتْ) أي جفت (قُلُوبُهُمْ) بميل الدنيا والإعراض عن مواعظة تعالى واتباع الشهوات ، فلم يؤمنوا بالقرآن ولم يعملوا به إلا قليل منهم (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) [١٦] أي خارجون عن طاعة الله ، وقيل : هذه الآية في حق المؤمنين باللسان دون القلب (٦) ، روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال استعيذوا بالله من خشوع النفاق ، قيل : ما خشوع النفاق؟ قال أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع» (٧) ، وقال ابن عباس رضي الله عنه : «استبطأ الله قلوب المؤمنين من الذكر والخشوع فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن» (٨) ، يعني بهذه الآية.
(اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧))
(اعْلَمُوا) أي أنيبوا إلى الله واعلموا (أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ) أي يصلحها بالمطر (بَعْدَ مَوْتِها) أي بعد يبسها حتى ينبت فكذلك يحيي القلوب ويلينها بالذكر والقرآن حتى تتنور بأنوار الله تعالى بعد قسوتها وظلمتها (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ) في القرآن (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [١٧] أي لكي تعقلوا ربكم وتوحيده وقدرته على البعث بعد الموت.
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨))
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ) بالتخفيف ، أي المؤمنين والمؤمنات ، وبالتشديد (٩) ، أي الذين تصدقوا بأموالهم
__________________
(١) «يؤخذ» : قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بالتاء الفوقية ، وغيرهم بالياء التحتية. البدور الزاهرة ، ٣١٤.
(٢) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، ٥ / ٣١٣.
(٣) «نزل» : قرأ نافع وحفص بتخفيف الزاي ، وغيرهما بتشديدها. البدور الزاهرة ، ٣١٤.
(٤) هذا القول مأخوذ عن الكشاشف ، ٦ / ٨٤.
(٥) «ولا يكونوا» : قرأ رويس بتاء الخطاب ، وغيره بياء الغيبة. البدور الزاهرة ، ٣١٤.
(٦) نقل المفسر هذا القول عن السمرقندي ، ٣ / ٣٢٦.
(٧) انظر السمرقندي ، ٣ / ٣٢٦.
(٨) انظر البغوي ، ٥ / ٣١٣ ؛ والكشاف ، ٦ / ٨٤.
(٩) «المصدقين والمصدقات» : قرأ ابن كثير وشعبة بتخفيف الصاد فيهما ، وغيرهما بالتشديد ، واتفقوا على تشديد الدال. البدور الزاهرة ، ٣١٤.
![عيون التفاسير للفضلاء السماسير [ ج ٤ ] عيون التفاسير للفضلاء السماسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4148_oyon-altafasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
