الشرائع السابقة إمّا قصرا واقعيّا ـ كما هو المختار ـ بلا لزوم دور ولا تصويب ، أو قصرا ظاهريّا ـ كما هو المعروف ـ ولا يلزم تفكيك في الفقرات ، ولا تقدير في العبارة.
ويقرب من هذا ما عن الصادق عليهالسلام : «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم». (١) ولا اختلاف بين الحديثين إلّا في العبارة. نعم ، الحجب في هذا الحديث منسوب إلى الله تعالى ، وعن العباد الظاهر في مجموع العباد ، وبذلك يقرب أن يكون المراد منه أصالة الإباحة قبل الشرع.
والمقام يحتمل فيه ورود الشرع واختفاؤه علينا إلّا أن يستصحب عدم ورود الشرع فيتمسّك بالحديث بمعونته ، إلّا أنّ الشأن في أنّ الأصل المذكور لا يثبت عنوان الحجب ليتأتّى التمسّك بالحديث بمعونته.
بل ربما يسنح بالبال ما يخرج الحديث عن قابليّة الاستدلال حتّى لأصالة الإباحة قبل الشرع ، وهو أنّ الحجب عبارة عن إخفاء الشيء وستره وتغطيته ، فما لم يكن شيء موجود ـ وهو في المقام الحكم والتكليف الإلزامي ـ لم يصدق الحجب.
وعليه توقّف معرفة صدق الحجب على العلم بوجود الحكم الإلزامي ، فإذا علم لم يكن حجب فيلزم من العلم بصدق الحجب عدم صدقه ، فلا يكون مجال للتمسّك بالحديث في شيء من المواقع إلّا أن يتمسّك به على وجه التقدير ، فيقال : إنّ الواقعة التي لم يرد المنع عنها بين إباحة واقعيّة وبين إلزام حجب عنّا ، وحكمها الإباحة ظاهرا ، فهي بين إباحتين : واقعيّة وظاهريّة.
ويوافق الحديثين في المضمون قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «الناس في سعة ما لا يعلمون» (٢) على أنّ تكون «ما» موصولة أضيف إليها السعة ، فكان المعنى : الناس في سعة من الإلزام المجهول ، وإنّما يأتيهم الضيق من العلم بالإلزام ؛ إذ بالعلم يندرجون في حكم العقل وإلزامه بالإطاعة.
وعلى ما فسّرناه لا تكون أخبار الاحتياط واردة عليه ، بل تكون معارضة ؛ لأنّها تثبت الضيق فيما لا يعلمون على خلافه.
__________________
(١) التوحيد : ٤١٣ ؛ وسائل الشيعة ٢٧ : ١٦٣ أبواب صفات القاضي ، ب ١٢ ، ح ٣٣.
(٢) عوالي اللئالي ١ : ٤٢٤ / ١٠٩ وفي المصدر : «إنّ الناس في سعة ما لم يعلموا» ولكن شاع في ألسنة الأصوليّين نقل الحديث كما في المتن.
![الأصول في علم الأصول [ ج ٢ ] الأصول في علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4115_alusul-fi-ilm-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
