الأوّل : أنّ كلمة «لعلّ» للترجّي ، والترجّي الحقيقي لمّا لم يمكن منه تعالى فلا بدّ أن يكون المراد منه إظهار المحبوبيّة ولغرض بيان المحبوبيّة ، ولا معنى لمحبوبيّة مادّة التحذّر إلّا وجوبه ؛ فإنّ ما يقتضي التحذّر ـ وهو العقاب ـ إن كان وجب ، وإلّا لم يتحقّق التحذّر.
والجواب أمّا أوّلا : فبأنّ ما ذكر مبنيّ على اختصاص كلمة «لعلّ» بترقّب أمر محبوب ، كما في كلمة «الترجّي» و «الرجاء» فإنّها لا تطلق إلّا على ترقّب المحبوب مقابل الخوف الذي هو لترقّب المكروه. لكنّ الظاهر أنّ كلمة «لعلّ» غير مختصّة بذلك ، بل لمطلق ترقّب أمر ـ محبوبا كان أو مبغوضا أو غيرهما ـ كما لا يخفى على من راجع موارد استعمالها.
وأمّا ثانيا : فبأنّا لو سلّمنا اختصاص كلمة «لعلّ» بترقّب المحبوب لم يوجب ذلك صحّة استعمالها في قيد المعنى بعد تعذّر أصله ؛ فإنّ استعمال اللفظ الموضوع للمقيّد في ذات القيد في كمال البشاعة ، فالوجه أن يقال : إنّ كلمة «لعلّ» مستعملة في معناها ، لكن بعنوان بيان حال المخاطبين ، وأنّهم يترجّون التحذّر بعنوان أنّ المتكلّم مترجّ ، وهذا النحو من الاستعمال كثير الدوران في ألسنة الخطباء والبلغاء.
وأمّا ثالثا : فبأنّ إطلاق مادّة التحذّر يكون كاشفا عن وجود ما ينجّز التكليف ويصحّح العقاب ، فليكن ذلك علم الأنام بأحكام الشرع على سبيل الإجمال لا حجّيّة الخبر ، فكان التوبيخ لترك التفقّه والإنذار الموجب لتنبّههم والتفاتهم الموجب لاحتياطهم ؛ لاحتمال الصدق في حقّ المنذرين ، فلا يكون الحذر حذرا تعبّديّا ، بل حذرا واقعيّا لمنجّز عقلي للتكليف ، وهو العلم الإجمالي.
بل لا يبعد دعوى أنّ الآية ظاهرة في ذلك ، وليست في مقام جعل الحجّة وضرب المنجّز التعبّدي ، بل ينبغي القطع بأنّ الآية ليست في مقام التعبّد بقول المنذرين وجعل أقوالهم منجّزا تعبّديّا للتكليف ، وإنّما اللوم على ترك النافرين للتفقّه والإنذار في موضوع وجود الحجّة والمنجّز العقلي للتكليف.
إلّا أن يقال : إنّ ذلك يكشف عن تعبّد العقلاء بخبر الواحد ، وجريان بنائهم على العمل عليه ، لكنّ ذلك إنّما يتمّ مع عدم تطرّق ما ذكرناه من الاحتمال ، أعني وجود العلم الإجمالي بالتكاليف المنجّز للتكاليف ، وكون الحذر من باب الاحتياط واحتمال صدق المنذر.
نعم ، هذا إنّما يكون إذا لم يحتمل حرمة ما أخبر بوجوبه أو بالعكس.
![الأصول في علم الأصول [ ج ٢ ] الأصول في علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4115_alusul-fi-ilm-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
