الثاني : من طريق مفهوم الوصف. وأحسن تقريب له هو أنّ إسناد الحكم إلى عنوان الفسق الذي هو عنوان عرضي يكشف عن أن ليس في معروض هذا العنوان ما يقتضي التبيّن ، وإلّا قبح استناده إلى الجهة العرضي مع اقتضاء الجهة الذاتي ، وهو كونه خبرا واحدا له.
ويردّه : أنّ هذا إنّما يتمّ إذا لم يكن هناك نكتة تصحّح هذا الإسناد مثل التنبيه على أنّ الفاسق ليس ممّن يركن إلى قوله ويطمأنّ به ، ويكون الغرض من ذلك التشكيك وإزالة الوثوق والاطمئنان عن المخاطبين المعتمدين على خبره بمناط الاطمئنان.
ثمّ لو سلّمنا دلالة الآية فعموم تعليل الذيل وشمولاه خبر العدل يمنع من الأخذ بمفهوم الصدر ؛ لأنّ الإصابة بالجهالة موجودة هناك أيضا ؛ لأنّ الجهالة هي عدم العلم لا السفاهة ، كما يشهد له قوله تعالى : (فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) ، فإنّ الظاهر أنّ الإصباح كناية عن طلوع نور العلم وذهاب غياهب الجهل.
اعلم أنّ هنا إشكالين متوجّهين على شمول خطاب «صدّق العادل» (١) للخبر مع الواسطة :
أحدهما يختصّ بشموله لما عدا الراوي المتّصل بالمعصوم ، والآخر يختصّ بشموله لما عدا الراوي المتّصل بنا ، ثمّ يسري أثره إلى الراوي المتّصل بنا.
وقبل التعرّض لبيان الإشكالين نذكر مقدّمات تعيننا على فهم الإشكال.
الأولى : أنّ خطاب «صدّق» معناه التصديق العملي ، أعني المعاملة مع الخبر معاملة الصدق كما لو كنّا عالمين بالمخبر به ، دون التصديق الاعتقادي بأن نعتقده أو نلتزم بأنّه صدق بمعنى البناء القلبي على صدقه ، أو نقول : إنّه صدق ونخبر الناس عن صدقه ـ وإن وقع التعبير عنه بهذه التعبيرات ـ فإنّها تعبيرات كنائيّة لا يراد بها إلّا التصديق العملي. وعليه فلا بدّ في شمول «صدّق» من أثر عملي مترتّب على الخبر كي يشمله ، وإلّا لم يكن لخطاب «صدّق» معنى ولا مفهوم.
الثانية : أنّ كلّ خبر مع الواسطة يحكي عن خبر آخر مثله حتّى ينتهي إلى الخبر الحاكي عن المعصوم ، فالحاكي عن المعصوم واحد ، والباقي يحكون عن الحاكي بلا واسطة أو بواسطة.
__________________
(١) لا يخفى أنّ هذا ممّا اصطادوه من أدلّة حجّيّة خبر العادل وإلّا لم يرد هذا الخطاب في شيء من الأدلّة.
![الأصول في علم الأصول [ ج ٢ ] الأصول في علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4115_alusul-fi-ilm-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
