محبوبية الفعل والرضا به واقعا تعيّن أن يكون النسخ كاشفا عن ارتفاع الحكم بالنسبة إلى زمن النسخ ، ومفيدا لانقضاء أمده ، ولا يمكن كونه رفعا للحكم الثابت في زمن النسخ لاستلزامه البداء بالمعنى الممتنع في حقّه سبحانه ، وأن كان المراد به بعض الأمور الاعتبارية كالإلزام وجعل الثواب والعقاب ، أو الأعمّ من الأول أمكن كونه رفعا للحكم الثابت في زمن الرفع لولاه ، وغير ذلك من مباحث النسخ فالكافل لتحقيق الكلام فيها هو أصول الفقه ، وإنّما نقتصر في المقام على البحث في أمرين :
الأوّل في جواز النسخ عقلا ، الثاني في وقوعه شرعا.
وهو أي وقوعه شرعا وإن كان مقطوعا به مدلولا عليه بعد الأصل بالضرورة القطعيّة من المذهب بل الدين ، إلّا أنّها لا تنهض حجة على اليهود حيث خالفت في الأول ، وإن نهضت على أبي مسلم الأصفهاني (١) من العامّة حيث خالف في الثاني ، نعم قد يحكى عن بعض اليهود أيضا المخالفة فيه خاصّة.
وبالجملة فيدلّ على الأول أنّه لا مانع منه عقلا فيجوز وقوعه ، بل قد يدعّي العلم الضروري عليه أيضا وهو كذلك ، على أنّ أفعاله تعالى إما أن تكون معللة بالأغراض والمصالح والحكم كما عن الإمامية ، وتبعهم فيه المعتزلة فالمصالح تتغيّر بتغير الأزمنة كما يتغيّر بتغيّر الأشخاص ، فكما يجوز أن يأمر زيدا
__________________
(١) أبو مسلم الأصفهاني ، أبو مسلم : وال من أهل أصفهان. معتزلي من كبار الكتّاب. كان عالما بالتفسير : وبغيره من صنوف العلم ، وله شعر ، ولي أصفهان وبلاد فارس ، للمقتدر العبّاسي ، واستمر إلى أن دخل ابن بويه أصفهان سنة ٣٢١ ه ، فعزل. من كتبه «جامع التأويل» في التفسير أربعة عشر مجلدا ، ومجموع رسائله ، ولد أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني سنة ٢٥١ وتوفي سنة ٣٢٢ ه (إرشاد الأريب ج ٦ ص ٤٢٠ ، الأعلام للزركلي ج ٦ ص ٢٧٣).
![تفسير الصراط المستقيم [ ج ٢ ] تفسير الصراط المستقيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4046_tafsir-alsirat-almustaqim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
