وقال البيضاوي : تبعا للزمخشري : إذا كانت بمرأى منهم كقوله عليه الصلاة والسلام : «لا تراءى ناراهما» (١) أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز. انتهى ، وهذا تأويل للمعتزلة بناء منهم على أن الرؤية مشروطة بالحياة بخلاف الأشاعرة فإنهم يجوزون رؤيتها حقيقة كتغيظها وزفيرها في قوله تعالى : (سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً) أي : غليانا كالغضبان إذ غلى صدره من الغضب (وَزَفِيراً) أي : صوتا شديدا إذ لا امتناع من أنها تكون رائية مغتاظة زافرة ، وأشار البيضاوي إلى ذلك بعد ما ذكر بقوله : هذا. وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبينة أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر ، وقال الجلال المحلي : وسماع التغيظ رؤيته وعلمه انتهى. قال عبد الله بن عمر : تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه ، وقيل : إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا عل الكفار للانتقام منهم ، فنسب إليها على حذف مضاف.
(وَإِذا أُلْقُوا) أي : طرحوا طرح إهانة (مِنْها) أي : النار (مَكاناً) ثم وصفه تعالى بقوله تعالى : (ضَيِّقاً) زيادة في فظاعتها ، قال ابن عباس : يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح (مُقَرَّنِينَ) أي : مصفدين زيادة قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم من الأغلال ، وقد قيل : الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ، ولذلك وصف الله تعالى الجنة بأن عرضها السموات والأرض ، وجاء في الأحاديث أن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا ، ولقد جمع الله تعالى على أهل النار أنواع الضيق والإرهاق حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصا كما مر عن ابن عباس : أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح ، وهو منقول أيضا عن ابن عمر ، وسئل النبي صلىاللهعليهوسلم عن ذلك فقال : «والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم ويقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة في أرجلهم» (٢).
تنبيه : (مَكاناً) منصوب على الظرف ، ومنها في محل نصب على الحال من مكانا ؛ لأنه في الأصل صفة له ، ومقرنين حال من مفعول (أُلْقُوا) ، وقرأ ابن كثير ضيقا بسكون الياء والباقون بكسر الياء مشددة (دَعَوْا هُنالِكَ) أي : في ذلك المكان البغيض البعيد عن الرفق (ثُبُوراً) قال ابن عباس : ويلا ، وقال الضحاك : هلاكا ، فيقولون : واثبوراه هذا حينك وزمانك ؛ لأنه لا منادم لهم غيره ، وليس يحضر أحد منهم سواه ، قال البغوي : وفي الحديث «إن أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه ، وذريته من خلفه وهو يقول : يا ثبوراه وهم ينادون : يا ثبورهم حتى يقفوا على النار» (٣) فيقال لهم :
(لا تَدْعُوا الْيَوْمَ) أي : أيها الكفار (ثُبُوراً واحِداً) ؛ لأنكم لا تموتون إذا حلت بكم أسباب العذاب والهلاك (وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً) أي : هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة ، أو ادعوا أدعية كثيرة ، وقال الكلبي : نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبه.
__________________
(١) أخرجه أبو داود في الجهاد باب ٩٥ ، والنسائي في القسامة باب ٢٧.
(٢) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٥ / ٦٤.
(٣) أخرجه أحمد في المسند ٣ / ١٥٢ ، ١٥٣ ، ١٥٤ ، ٢٤٩.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
