ولما وصف تعالى : العقاب المعدّ للمكذبين بالساعة أتبعه بما يؤكد الحسرة والندامة بقوله تعالى:
(قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠) وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩))
(قُلْ) أي : لهؤلاء البعداء البغضاء (أَذلِكَ) أي : المذكور من الوعيد وصفة النار (خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) أي : الإقامة الدائمة (الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي : وعدها الله تعالى لهم ، فالراجع إلى الموصوف وهو هاء وعدها محذوف.
فإن قيل : كيف يقال : العذاب خير أم جنة الخلد ، وهل يجوز أن يقول القائل : السكر أحلى أم الصبر؟ أجيب : بأنه يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالا فتمرد وأبى واستكبر ، فضربه ويقول له : هذا خير أم ذلك؟ قال أبو مسلم : جنة الخلد هي التي لا ينقطع نعيمها ، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور ، قال تعالى : (لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً) [الإنسان ، ٩] فإن قيل : الجنة اسم لدار الخلد ، فأي فائدة في قوله تعالى : (جَنَّةُ الْخُلْدِ)؟ أجيب : بأنّ الإضافة قد تكون للبيتين ، وقد تكون لبيان صفة الكمال كقوله تعالى : (هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ) [الحشر ، ٢٤] وهذا من هذا البيان أو للتمييز عن جنات الدنيا ، ثم حقق تعالى أمرها تأكيدا للبشارة بقوله : (كانَتْ لَهُمْ جَزاءً) أي : ثوابا على أعمالهم بفضل الله تعالى وكرمه (وَمَصِيراً) أي : مرجعا.
فإن قيل : إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيرا لكنها بعدما صارت كذلك فلم قال تعالى : (كانَتْ)؟ أجيب : من وجهين : الأول : أن ما وعده الله تعالى فهو في تحققه كالواقع ، الثاني : أنه كان مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم الله تعالى بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم ، فإن قيل : لم جمع تعالى بين الجزاء والمصير؟ أجيب : بأن ذلك كقوله تعالى : (نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف ، ٣١] ، فمدح الثواب ومكانه ، كما قال تعالى : (بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً) [الكهف ، ٢٩] فذم العذاب ومكانه ؛ لأن النعيم لا يتم للمتنعم إلا بطيب المكان وسعته وموافقته للمراد والشهوة ، وإلا تنغص ، وكذلك العقاب يتضاعف بغثاثة الموضع وضيقه وظلمته ،
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
