شبعت حمدتك وشكرتك» (١) ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لو شئت لسارت معي جبال مكة ذهبا جاءني ملك فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا ، فنظرت إلى جبريل عليهالسلام فأشار إلي أن ضع نفسك ، فقلت : نبيا عبدا ، قالت : وكان النبي صلىاللهعليهوسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا ، ويقول : آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد» (٢).
وعن ابن عباس قال : «بينما رسول الله صلىاللهعليهوسلم جالس وجبريل عليهالسلام معه ، فقال جبريل عليهالسلام : هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك ، فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقال : إن الله يخيرك أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطه أحدا قبلك ، ولا يعطيه أحدا بعدك من غير أن ينقصك مما أداك شيئا ، فقال صلىاللهعليهوسلم : «بل يجمعها لي في الآخرة» (٣) فنزل (تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ) الآية ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة برفع اللام من يجعل ، وفيه وجهان : أحدهما : أنه مستأنف ، والثاني : أنه معطوف على جواب الشرط ؛ لأن الشرط إذا وقع ماضيا جاز في جوابه الجزم والرفع كقوله (٤) :
|
وإن أتاه خليل يوم مسألة |
|
يقول لا غائب مالي ولا حرم |
والباقون بالجزم ، ويجوز في (يَجْعَلْ لَكَ) إذا أدغمت أن تكون اللام في تقدير الجزم والرفع.
ثم أضرب سبحانه وتعالى عن كلامهم في حق رسوله محمد صلىاللهعليهوسلم بقوله تعالى : (بَلْ) أي : لا يظنوا أنهم كذبوا بما جئت به ؛ لأنهم لا يعتقدون فيك كذبا بل (كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ) أي : القيامة ، فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوي ، وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فلا يرجون ثوابا ولا عقابا ، فلا يتكلفون النظر والفكر ، ولهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل (وَأَعْتَدْنا) أي : والحال أنا اعتدنا أي : هيأنا بما لنا من العظمة (لِمَنْ كَذَّبَ) من هؤلاء وغيرهم (بِالسَّاعَةِ سَعِيراً) أي : نارا شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء وأتباعهم ، وعن الحسن : أن السعير اسم من أسماء جهنم.
تنبيه : احتج أهل السنة على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى : (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران ، ١٣٣] وعلى أن النار وهي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية : (إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) وهو أقصى ما تمكن رؤيتها منه ، وقال الكلبي والسدي : من مسيرة عام ، وقيل : من مسيرة مائة سنة ، روي أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا ، قالوا : وهل لها من عينين؟ قال : نعم ، ألم تسمع قوله تعالى : (إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ)» (٥).
__________________
(١) أخرجه الترمذي في الزهد حديث ٣٩٨٠.
(٢) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ١٩ ، والبغوي في تفسيره ٣ / ٤٣٧.
(٣) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٥ / ٦٤.
(٤) البيت من البسيط ، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ١٥٣ ، والإنصاف ٢ / ٦٢٥ ، وجمهرة اللغة ص ١٠٨ ، والكتاب ٣ / ٦٦ ، ولسان العرب (خلل) ، (حرم).
(٥) أخرجه بنحوه أبو داود حديث ٣٦٥١ ، وأحمد في المسند ١ / ٧٨ ، ١٦٧.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
