السوق؟ أجيب : بأن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل ، والمراد بسوق أهل الجنة : سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين سراعا إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك ، فشتان ما بين السوقين هذا سوق تشريف وإكرام وذاك سوق إهانة وانتقام ، وهذا من بدائع أنواع البديع وهو أن يأتي سبحانه بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم بعقابهم ، ويأتي بتلك الكلمة بعينها وهيئتها في حق المؤمنين فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم فسبحان من أنزله معجز المباني متمكن المعاني عذب الموارد والمثاني.
وقيل : إن المحبة والصداقة باقية بين المتقين إلى يوم القيامة كما قال تعالى : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف : ٦٧] فإذا قيل لواحد منهم : اذهب إلى الجنة فيقول : لا أدخلها إلا مع أحبابي وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السوق إلى الجنة.
ولما ذكر تعالى السوق ذكر غايته بقوله تعالى : (حَتَّى إِذا جاؤُها) اختلف في جواب إذا على أوجه.
أحدها : قوله تعالى : (وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش ، وإنما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجون مغلقة عادة إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فتفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظارا لمن يدخلها ، فعلى هذا أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها ، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون مقدما على دخولهم إليها كما قال تعالى : (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) [ص : ٥٠] فلذلك جيء بالواو فكأنه قال : حتى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها.
ثانيها قوله تعالى : (وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها) أي : بزيادة الواو أيضا أي : حتى إذا جاؤوها قال لهم خزنتها ، ثالثها : قال الزجاج : القول عندي إن الجواب محذوف تقديره دخلوها بعد قوله تعالى : (إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها) أي : حين الوصول (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) تعجيلا للمسرة بالبشارة بالسلامة التي لا عطب فيها (طِبْتُمْ) أي : صلحتم لسكناها لأنها دار طهرها الله تعالى من كل دنس وطيبها من كل قذر فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها فما أبعد أحوالنا من تلك المناسبة وما أضعف سعينا في اكتساب تلك الصفة إلا أن يهب لنا الوهاب الكريم توبة نصوحا تنقي أنفسنا من درن الذنوب وتميط وضر هذه القلوب ثم سببوا عن ذلك (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) أي : مقدرين الخلود. وسمى بعضهم الواو في قوله تعالى : (وَفُتِحَتْ) واو الثمانية قال : لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله تعالى : (رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) [الكهف : ٢٢] وقيل : تقدير الجواب (حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها) يعني أن الجواب بلفظ الشرط ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صح ، وقدره الجلال المحلي بقوله : دخلوها وقال : إن قوله تعالى :
(وَقالُوا) عطف على دخلوها المقدر (الْحَمْدُ) أي : الإحاطة بأوصاف الكمال (لِلَّهِ) أي : الملك الأعظم (الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ) في قوله تعالى : (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا) [مريم : ٦٣] فطابق قوله الواقع الذي وجدناه في هذه الساعة (وَأَوْرَثَنَا) كما وعدنا (الْأَرْضَ) أي : الأرض التي لا أرض في الحقيقة غيرها وهي أرض الجنة التي لا كدر فيها بوجه وفيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقولهم : (نَتَبَوَّأُ) أي : ننزل (مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ) جملة حالية
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
