ولما بين تعالى أنه يوصل إلى كل واحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات أولها قوله تعالى : (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي : العباد (بِالْحَقِ) أي : العدل ، ثانيها : قوله تعالى : (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) أي : لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم ، ثالثها : قوله تعالى : (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ) أي : جزاء ما عملته ، رابعها : قوله تعالى : (وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ) أي : فلا يفوته شيء من أفعالهم.
ثم فصل التوفية بقوله تعالى مقدما أهل الغضب : (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي : بالعنف والدفع (إِلى جَهَنَّمَ) كما قال تعالى : (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) [الطور : ١٣] أي : يدفعون إليها دفعا وقوله تعالى : (زُمَراً) حال أي : جماعات في تفرقة بعضهم على أثر بعض كل أمة على حدة. (حَتَّى إِذا جاؤُها) أي : على صفة الذل والصغار ، وأجاب إذا بقوله تعالى : (فُتِحَتْ أَبْوابُها) أي : السبعة وكانت مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها ، وقرأ الكوفيون فتحت وفتحت الآتية بالتخفيف والباقون بالتشديد على التكثير. (وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها) إنكارا عليهم وتقريعا وتوبيخا (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) أي : من جنسكم لأن قيام الحجة بالجنس أقوى (يَتْلُونَ) أي : يتلون مرة بعد مرة وشيئا في إثر شيء (عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ) أي : المحسن إليكم من القرآن وغيره (وَيُنْذِرُونَكُمْ) أي : يخوفونكم (لِقاءَ يَوْمِكُمْ) وقولهم (هذا) إشارة إلى يوم البعث ، فإن قيل : لم أضيف إليهم اليوم؟ أجيب : بأنهم أرادوا لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة ، قال الزمخشري : وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضا في أوقات الشدة ، ويجوز أن يراد باليوم يوم البعث كله وجرى عليه البقاعي وهو أولى ولما قال لهم الخزنة ذلك (قالُوا بَلى) أتونا وتلوا علينا وحذرونا (وَلكِنْ حَقَّتْ) أي : وجبت (كَلِمَةُ الْعَذابِ) أي : التي سبقت في الأزل علينا هكذا كان الأصل ولكنهم قالوا (عَلَى الْكافِرِينَ) تخصيصا بأهل هذا الوصف وبيانا لأنه موجب دخولهم وهو تغطيتهم الأنوار التي أتتهم بها الرسل عليهم الصلاة والسلام.
تنبيه : في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا لهم أنهم ما بقي لهم عذر ولا علل بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فلو لم يكن مجيء الرسل شرطا في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة ، وقيل : كلمة العذاب هي قوله تعالى : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود : ١١٩].
ثم كأنه قيل : فماذا وقع بعد هذا التقريع؟. (قِيلَ) : وقع أن الملائكة قالت لهم (ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ) أي : طبقاتها المتجهمة لداخلها (خالِدِينَ) أي : مقدرين الخلود (فِيها) ولما كان سبب كفرهم بالآيات هو التكبر قالوا لهم : (فَبِئْسَ مَثْوَى) أي : منزل ومقام (الْمُتَكَبِّرِينَ) أي : الذين أوجب تكبرهم حقوق كلمة العذاب عليهم فلذلك تعاطوا أسبابها.
ولما ذكر تعالى أحوال الكافرين أتبعه أحوال أضدادهم فقال عز من قائل : (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) أي : الذين كلما زادهم إحسانا زادوا له هيبة (إِلَى الْجَنَّةِ) وقوله تعالى : (زُمَراً) حال أي : جماعات أهل الصلاة المستكثرين منها على حدة وأهل الصوم كذلك إلى غير ذلك من الأعمال التي تظهر آثارها على الوجوه.
فإن قيل : السوق في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يساقوا إليه وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأي حاجة فيه إلى
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
