وحيث ظرف على بابها وقيل : مفعول به ، وإنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجهين ؛ أحدهما : أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم عليهالسلام لأنه تعالى قال : (وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما) [البقرة : ٣٥] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم عليهالسلام كان ذلك سببا للإرث ، ثانيها : أن الوارث يتصرف فيما ورثه كيف شاء من غير منازع فكذلك المؤمنون يتصرفون في الجنة حيث شاؤوا وأرادوا ، فإن قيل : كيف يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ أجيب : بأن لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة فيتبوأ من جنته حيث شاء ولا يحتاج إلى جنة غيره ولا يشتهي أحد إلا مكانه مع أن في الجنة مقامات معنوية لا يتمانع واردوها ولما كانت بهذا الوصف الجليل تسبب عنه مدحها بقوله : (فَنِعْمَ) أي : أجرنا هكذا كان الأصل ولكنه قال : (أَجْرُ الْعامِلِينَ) ترغيبا في الأعمال وحثا على عدم الاتكال.
ولما ذكر سبحانه الذين أكرمهم من المتقين وما وصلوا إليه من المقامات أتبعهم أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات فقال تعالى صارفا الخطاب لعلو الخبر إلى أعلى الخلق لأنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره : (وَتَرَى الْمَلائِكَةَ) أي : القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق وقوله تعالى : (حَافِّينَ) حال أي : محدقين (مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ) أي : من جوانبه التي يمكن الحفوف بها بالقرب منها يسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتحميد والتقديس والاهتزاز خوفا من ربهم ، فإدخال من يفهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله تعالى أنهم لا يملؤون حوله ، وهذا أولى من قول البيضاوي : إن من زائدة وقوله تعالى : (يُسَبِّحُونَ) حال من ضمير حافين (بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) أي : متلبسين بحمده يقولون سبحان الله وبحمده فهم ذاكرون له بوصفي جلاله وإكرامه تلذذا به ، وفيه إشعار بأن منتهى درجات العليين وأعلى لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحق (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي : بين جميع الخلق (بِالْحَقِ) أي : العدل فيدخل المؤمن الجنة والكافر النار أو بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم (وَقِيلَ) أي : وقال المؤمنون من المقضي بينهم والملائكة وطي ذكرهم لتعيينهم وتعظيمهم (الْحَمْدُ) أي : الإحاطة بجميع أوصاف الكمال ، وعدل بالقول إلى ما هو أحق بهذا المقام فقال (لِلَّهِ) ذي الجلال والإكرام علمنا ذلك في هذا اليوم عين اليقين كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين.
ولما كان هذا اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق وانفتاح البصائر وسعة الضمائر قال واصفا له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم الأعظم (رَبِّ الْعالَمِينَ) أي : الذين ابتدأهم أول مرة من العدم ، وأقامهم ثانيا بما رباهم به من التدبير ، وأعادهم ثالثا بعد إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير وأبقاهم رابعا لا إلى أخير وقيل : إن الله تعالى ابتدأ ذكر الخلق بالحمد لله في قوله سبحانه : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) [الأنعام : ١] وختم بالحمد في آخر الأمر وهو استقرار الفريقين في منازلهم فنبه بذلك على تحميده في بداية كل أمر وخاتمته والله أعلم بمراده وأسرار كتابه ، وقول البيضاوي تبعا للزمخشري عن النبي صلىاللهعليهوسلم : «من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله رجاءه يوم القيامة وأعطاه الله ثواب الخائفين» (١). حديث موضوع ، وقوله عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها : «أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر» (٢) رواه الترمذي وغيره.
__________________
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف ٤ / ١٥١.
(٢) أخرجه الترمذي في فضائل القرآن حديث ٢١ ، وأحمد في المسند ٦ / ٦٨ ، ١٢٢.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
