أيوب عليهالسلام لم نقدر عليه فكيف السبيل إلى تحصيله فأنزل الله تعالى قوله سبحانه وتعالى : (نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الأنفال : ٤٠] والمراد : أنك أيها الإنسان إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى وإن كان منك غير الفضل فأنا مني الفضل ، وإن كان منك التقصير فمني الرحمة والتيسير.
القصة الرابعة : قصة إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهماالسلام المذكورة في قوله تعالى : (وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ) بن إبراهيم (وَيَعْقُوبَ) بن إسحاق (أُولِي الْأَيْدِي) أي : أصحاب القوى في العبادة ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أولي القوة في طاعة الله تعالى (وَالْأَبْصارِ) أي : المعرفة بالله أي : البصائر في الدين وأولي الأعمال الجليلة والعقائد الشرعية ، فعبر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها بمباشرتها وبالأبصار عن المعارف لأنها أقوى عبادتها ، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله تعالى ولا من المستبصرين في دين الله ، وفيه توبيخ أيضا على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما فهم في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم والناقصي العقول الذين لا استبصار لهم ، وقال قتادة ومجاهد : أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين ، وقرأ ابن كثير بفتح العين وسكون الباء الموحدة ولا ألف بعدها على التوحيد على أنه إبراهيم وحده لمزيد شرفه وإبراهيم عطف بيان وإسحاق ويعقوب عطف على عبدنا والباقون بكسر العين وفتح الموحدة وألف بعدها على الجمع.
(إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ) أي : اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين بخصلة خالصة لا شوب فيها وهي (ذِكْرَى الدَّارِ) الآخرة أي : ذكرها والعمل لها لأن مطمح نظرهم الفوز بلقائه وذلك في الآخرة وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار الحقيقة والدنيا معبر ، وقرأ نافع وهشام خالصة بغير تنوين بالإضافة للبيان أو أن خالصة مصدر بمعنى الخلوص فأضيف إلى فاعله والباقون بالتنوين ، فمن أضاف فمعناه أخلصناهم بذكرى الدار الآخرة وأن يعملوا لها ، والذكرى بمعنى : الذكر ، قال مالك بن دينار : نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها ، وقال قتادة : كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله عزوجل ، وقال السدي : أخلصوا الخوف للآخرة وقال ابن زيد : أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة ، ومن قرأ بالتنوين فمعناه : بخلة خالصة هي ذكرى الدار فيكون ذكرى الدار بدلا من الخالصة أو جعلناهم مخلصين بما أخبرنا من ذكر الآخرة ، والمراد بذكرى الدار : الذكر الجميل الرفيع لهم في الآخرة ، وقيل : إنه أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا وقيل : هو دعاؤه (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) [الشعراء : ٨٤].
(وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ) أي : اصطفاء لا يقدح فيه قادح فصاروا في غاية الرسوخ في هذا الوصف (الْأَخْيارِ) أي : المختارين من أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت ، واحتج العلماء بهذه الآية على إثبات عصمة الأنبياء عليهمالسلام لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخيارا على الإطلاق وهذا يفهم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات بدليل صحة الاستثناء منه.
القصة الخامسة : قصة إسماعيل واليسع وذي الكفل عليهمالسلام المذكورة في قوله تعالى : (وَاذْكُرْ) يا أشرف الخلق (إِسْماعِيلَ) أي : أباك وما صبر عليه من البلاء بالغربة والإنفراد والوحدة والإشراف على الموت في الله غير مرة وما صار إليه بعد ذلك البلاء من الفرج والرياسة والذكر في هذه البلدة (وَالْيَسَعَ) وهو ابن إخطوب استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبئ
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
