(وَوَهَبْنا) أي : بما لنا من العظمة (لَهُ أَهْلَهُ) أي : بأن جعلناهم عليه بعد تفرقهم أو أحييناهم بعد موتهم ، وقيل : وهبنا له مثل أهله والأول هو ظاهر الآية فلا يجوز العدول عنه من غير ضرورة (وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) حتى كان له ضعف ما كان.
وقوله تعالى : (رَحْمَةً) أي : نعمة (مِنَّا) مفعول لأجله أي : وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه (وَذِكْرى) أي : وتذكيرا بحاله (لِأُولِي الْأَلْبابِ) أي : أصحاب العقول ليعلموا أن من صبر ظفر وأن رحمة الله تعالى واسعة وهو عند القلوب المنكسرة فما بينه وبين الإجابة إلا حسن الإنابة فمن دام إقباله عليه أغناه عن غيره كما قيل (١) :
|
لكل شيء إذا فارقته عوض |
|
وما عن الله إن فارقت من عوض |
وهذا تسلية لنبيه صلىاللهعليهوسلم كما مر وقوله تعالى : (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً) معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش والقضبان فيها مائة عود كشمراخ النخلة وقيل : الحزمة الكبيرة من القضبان ، وقوله سبحانه وتعالى : (فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) يدل على تقدم يمين منه عليه الصلاة والسلام واختلفوا في سبب حلفه عليها ويبعد ما قيل أنها رغبته في طاعة الشيطان ويبعد أيضا ما روي أنها قطعت ذؤابتيها لأن المضطر يباح له ذلك ، بل الأقرب ما روي أن زوجته ليا بنت يعقوب وقيل : رحمة بنت افراثيم بن يوسف عليهالسلام ذهبت لحاجة فأبطأت عليه فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا برئ.
ولما كانت حسنة الخدمة جعل الله تعالى يمينه بأهون شيء عليه وعليها وهذه الرخصة باقية في الحدود لما روي أنه صلىاللهعليهوسلم : «أتي برجل ضعيف قد زنا بأمة فقال صلىاللهعليهوسلم : خذوا مائة شمراخ واضربوه بها ضربة واحدة» (٢)(إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً) أي : فيما أصابه في النفس والأهل والمال.
فإن قيل : كيف وجده صابرا وقد شكا إليه؟ أجيب بأوجه : أحدها : أن شكواه إلى الله تعالى كتمني العافية فلا يسمى جزعا ولهذا قال يعقوب عليهالسلام : (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ) [يوسف : ٨٦] وكذلك شكوى العليل وذلك أن أصبر الناس على البلاء لا يخلو من تمني العافية وطلبها ، فإذا صح أن يسمى صابرا مع تمني العافية أفلا يعد صابرا مع اللجوء إلى الله تعالى والدعاء بكشف ما به مع التعالج ومشاورة الأطباء. ثانيها : أن الآلام حين كانت على الجسد لم يذكر شيئا فلما تعاظمت الوساوس على القلب تضرع إلى الله تعالى. ثالثها : أن الشيطان عدو والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر ، ويروى أنه قال في مناجاته : إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي ولم يتبع قلبي بصري ولم آكل إلا ومعي يتيم ولم أبت شبعانا ولا كاسيا ومعي جائع أو عريان فكشف الله تعالى عنه ثم استأنف قوله تعالى : (نِعْمَ الْعَبْدُ) أي : أيوب عليهالسلام ثم علل بقوله تعالى : مؤكدا لئلا يظن أن بلاءه قادح في ذلك (إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي : رجاع إلى الله تعالى روي : أنه لما نزل قوله تعالى : (نِعْمَ الْعَبْدُ) في حق سليمان عليهالسلام تارة وفي حق أيوب عليهالسلام أخرى عظم في قلوب أمة محمد صلىاللهعليهوسلم وقالوا : إن قوله تعالى : (نِعْمَ الْعَبْدُ) تشريف عظيم فإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل
__________________
(١) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي.
(٢) أخرجه أبو داود في الحدود حديث ٤٤٧٢ ، وابن ماجه في الحدود حديث ٢٥٧٤ ، وأحمد في المسند ٥ / ٢٢٢.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
