الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمنا منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على روحه ومنكوحه.
الصفة السابعة : قوله تعالى : (وَشَدَدْنا مُلْكَهُ) ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد إنا ملكناه بقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة ، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لم يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك.
الصفة الثامنة : قوله تعالى : (وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ) والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علما وعملا فكيف يجوز أن يقال : إنا آتيناه الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف من مزاحمة أخص أصحابه في الروح والمنكوح ، فهذه الصفات التي وصف بها قبل شرح القصة وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة.
فأولها : قوله تعالى : (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) وقوله تعالى : (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) فكيف أن الله تعالى يجعله خليفة ويقع منه ذلك ، وقد روي عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال : من حدثكم بحديث داود على ما ترويه القصاص فاجلدوه مائة جلدة وستين وهو حد الفرية أي : الكذب على الأنبياء ، ومما يقوي هذا أنهم قالوا : إن المغيرة بن شعبة زنا وشهد ثلاثة من الصحابة بذلك وأما الرابع فلم يقل إني رأيت ذلك بعيني ، فإن عمر رضي الله عنه كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا ، فإذا كان هذا الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك ، فكيف الحال مع داود عليهالسلام مع أنه من أكابر الأنبياء عليهمالسلام ، فثبت بما ذكرنا أن القصة الذي ذكرها هؤلاء باطلة لا يجوز ذكرها.
قال الرازي : حضرت في مجلس وفيه بعض الأكابر فكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة بسبب اقتضى ذلك فقلت له : لا شك أن داود عليهالسلام كان من أكابر الأنبياء والرسل ، وقال الله تعالى : (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) [الأنعام : ١٢٤] ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في الطعن فيه وأيضا بتقدير أنه ما كان نبيا فلا شك أنه كان مسلما وقال صلىاللهعليهوسلم : «لا تذكروا موتاكم إلا بخير» (١) وذكرت له أشياء أخر قال : سكت ولم يذكر شيئا.
فإن قيل : قد ذكر هذه القصة كثير من المحدثين والمفسرين. أجيب : بأنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القطعية واجبا والمحققون يردون هذا القول ويحكمون عليه بالكذب ، وأما القول الثاني : فقالوا : تحمل هذه القصة على حصول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه : الأول : أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها داود عليهالسلام فآثره أهلها فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني : قالوا : إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب البتة أما وقوع بصره عليها بغير قصد فليس بذنب وأما حصول الميل عقب النظر فليس أيضا ذنبا لأن الميل ليس في وسعه فليس مكلفا به بل لما اتفق أنه قتل زوجها تزوج بها. الثالث : أنه كان أهل زمان داود عليهالسلام
__________________
(١) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٧ / ٤٩٠ ، ٤٩١ ، وأخرجه النسائي في الجنائز حديث ١٩٣٥ ، بلفظ : «لا تذكروا هلكاكم إلا بخير».
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
