يسأل بعضهم بعضا أن يطلق زوجته حتى يتزوجها وكانت عادة مألوفة معهودة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود عليهالسلام وقعت على تلك المرأة فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان ، فقيل له ذلك ، وإن كان جائزا في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فهذه وجوه ثلاثة لو حملت هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حق داود عليهالسلام إلا ترك الأفضل والأولى.
وأما القول الثالث : فقال تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليهالسلام بل يوجب أعظم أنواع المدح والثناء له وهو أنه قد روي أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبي الله داود عليهالسلام وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل فيه بطاعة ربه فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوروا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواما تمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذبا ، وقالوا : (خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ) إلى آخر القصة فعلم غرضهم وقصد أن ينتقم منهم وظن أن ذلك ابتلاء من الله تعالى فاستغفر ربه مما هم به وأناب ، فإن قيل : ههنا أربعة ألفاظ يمكن أن يحتج بها في إلحاق الذنب بداود عليهالسلام أحدها : قوله تعالى : (وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ) وثانيها : قوله تعالى : (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) وثالثها : قوله تعالى : (وَأَنابَ) ورابعها : قوله تعالى : (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ). أجيب : بأن هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكر لاحتمال أن تكون الزلة إنما حصلت من باب ترك الأفضل والأولى كما مر ، وحمل هذه الألفاظ على هذا الوجه لا يلزم منه إسناد شيء من الذنوب إليه بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطاعات إليه ، وقيل : إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر قبل مسألته وهناك أشياء كثيرة ذكرها البغوي وغيره وفيما ذكرناه كفاية.
(فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ) أي : ما استغفر منه (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى) أي : زيادة خير في الدارين بعد المغفرة (وَحُسْنَ مَآبٍ) أي : مرجع في الجنة.
ولما تم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داود خلافة الأرض بقوله تعالى : (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) أي : تدبر أمر العباد بأمرنا وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول الأول كما مر لأن من البعيد جدا أن يوصف الرسول بكونه ساعيا في سفك دماء المسلمين رغبة في انتزاع أزواجهم من أيديهم ثم يذكر عقبه أن الله تعالى فوض خلافة الأرض إليه ، ثم في تفسير كونه خليفة وجهان :
أحدهما : جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه وذلك إنما يعقل في حق من تصح عليه الغيبة وذلك على الله تعالى محال.
ثانيهما : إنا جعلناك ممكنا في الناس نافذ الحكم فيهم فبهذا التأويل يسمى خليفة ومنه يقال : خليفة الله تعالى في أرضه.
وحاصله : أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة للزوم نفاذ الحكم في تلك الحقيقة (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ) أي : الذين يتحاكمون إليك من أي قوم كانوا (بِالْحَقِ) أي : بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الحقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات وإذا كانت الأحكام على
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
