داود أن يقتله ويتزوج بها ، فأرسل داود إلى ابن أخته أن قدم أوريا قبل التابوت وكان من قدم على التابوت لا يحل أن يرجع وراءه حتى يفتح الله تعالى على يديه أو يقتل ، فقدمه ففتح على يديه فكتب إلى داود فأمر أن يقدمه بعد ذلك ففعل ثلاث مرات فقتل في الثالثة فلما انقضت عدتها تزوج بها فهي أم سليمان عليهماالسلام.
قال الرازي : والذي أدين الله تعالى به وأذهب إليه أن ذلك باطل لوجوه.
الأول : أن هذه الحكاية لا تناسب داود لأنها لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجورا لانتفى منها والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه وربما لعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إلى داود عليهالسلام.
ثانيها : أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته ، أما الأول : فأمر منكر قال صلىاللهعليهوسلم : «من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله» (١) ، وأما الثاني : فمنكر أيضا قال صلىاللهعليهوسلم : «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه» (٢) فإن أوريا لم يسلم من داود عليهالسلام لا في روحه ولا في منكوحه.
ثالثها : إن الله تعالى وصف داود عليهالسلام بصفات تنافي كونه عليهالسلام موصوفا بهذا الفعل المنكر.
الصفة الأولى : أنه تعالى أمر محمدا صلىاللهعليهوسلم أن يقتدي بداود عليهالسلام في المصابرة على المكاره فلو قلنا : إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم عبد مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمدا أفضل الرسل صلىاللهعليهوسلم بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله تعالى.
الصفة الثانية : أنه وصفه بكونه عبدا له وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملا في وصف العبودية في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات ، فلو قلنا : إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملا إلا في طاعة الهوى والشهوة.
الصفة الثالثة : وهي قوله تعالى (ذَا الْأَيْدِ) أي : ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحظورات وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم.
الصفة الرابعة : كونه أوابا كثير الرجوع إلى الله فكيف يليق هذا الوصف بمن قلبه مشغول بالفسق والفجور.
الصفة الخامسة : قوله تعالى : (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ) أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذ سبيل القتل والفجور؟!.
الصفة السادسة : قوله تعالى : (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً) قيل : إنه كان محرما عليه صيد شيء من
__________________
(١) روي الحديث بلفظ : «من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء مكتوبا بين عينيه : آيس من رحمة الله» ، أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه في الديات حديث ٢٦٢٠ ، والبيهقي في السنن الكبرى ٨ / ٢٢ ، والمنذري في الترغيب والترهيب ٣ / ٢٩٤ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٣٩٨٩٥ ، ٣٩٩٣٧.
(٢) أخرجه البخاري في الإيمان حديث ١٠ ، ومسلم في الإيمان حديث ٤٠ ، وأبو داود في الجهاد حديث ٢٤٨١ ، والترمذي في صفة القيامة حديث ٢٥٠٤ ، والنسائي في الإيمان حديث ٤٩٩٦.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
