|
أعلمه الرماية كل يوم |
|
فلما اشتد ساعده رماني |
|
وكم علمته علم القوافي |
|
فلما قال قافية هجاني |
وفي هذا تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر وفيه تقبيح بليغ لإنكاره ، حيث تعجب منه وجعله إفراطا في الخصومة بينا ومنافاته لجحود القدرة على ما هو أهون مما علمه في بدء خلقه ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفا مكرما بالعقوق والتكذيب.
(وَضَرَبَ) أي : هذا الإنسان (لَنا) أي : على ما يعلم من عظمتنا (مَثَلاً) أي : أمرا عجيبا وهو نفي القدرة على إحياء الموتى ، روي : «أن أبي بن خلف الجمحي وهو الذي قتله النبي صلىاللهعليهوسلم بأحد مبارزة ، أتى النبي صلىاللهعليهوسلم بعظم بال يفتته بيده فقال : أترى الله يحيي هذا بعدما رم؟ فقال صلىاللهعليهوسلم : نعم ويبعثك ويدخلك النار» (١) فنزلت. وقيل : هو العاصي بن وائل قاله الجلال المحلي وأكثر المفسرين على الأول (وَنَسِيَ) أي : هذا الذي تصدى على مهانة أصله لمخاصمة الجبار (خَلْقَهُ) أي : بدء أمره من المني وهو أغرب من مثله ، والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول وأن يكون بمعنى الترك ، ثم استأنف الإخبار عن هذا المثل بأن (قالَ) أي : على طريق الإنكار (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) أي : صارت ترابا تمرّ مع الرياح ورميم قال البيضاوي : بمعنى فاعل من رم الشيء صار اسما بالغلبة ولذلك لم يؤنث ، أو اسم مفعول من رممته ، وفيه دليل على أن العظم ذو حياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء ا ه. قال البغوي : ولم يقل : رميمة ؛ لأنه معدول عن فاعله فكل ما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن إعرابه كقوله تعالى (وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [مريم : ٢٨] أسقط الهاء ؛ لأنها مصروفة عن باغية.
تنبيه : هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر ؛ لأن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلا ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثرون (أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) [السجدة : ١٠] (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) [المؤمنون : ٨٢] (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) قالوا : ذلك على طريق الاستبعاد فأبطل الله تعالى استبعادهم بقوله تعالى : (وَنَسِيَ خَلْقَهُ) أي : نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة الأجزاء ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصورة ، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذان بهما استحقوا الإكرام ، فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة مذرة لم تكن محلا للحياة أصلا ، ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه واختاروا العظم بالذكر ؛ لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوى جانب الاستبعاد من البلاء والتفتت.
والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال : (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً) أي : جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب ، ومنهم من ذكر شبهة وإن كان في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين :
الأول : أنه بعد العدم لم يبق شيئا فكيف الحكم على العدم بالوجود؟ فأجاب تعالى عن هذه
__________________
(١) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
