الصعبة جدا لغيره قادر على تطويع الأشياء لنفسه ثم سبب عن ذلك قوله تعالى (فَمِنْها رَكُوبُهُمْ) أي : ما يركبون وهي الإبل ؛ لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها (وَمِنْها يَأْكُلُونَ) أي : ما يأكلون لحمه.
ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار وكانت منافعها لغير ذلك كثيرة قال تعالى : (وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ) أي : من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها وغير ذلك (وَمَشارِبُ) أي : من ألبانها جمع مشرب بالفتح ، وخص الشرب من عموم المنافع بعموم نفعه وجمعه لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة ، ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان لو فقدها الإنسان لتكدرت معيشته تسبب عنها استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله تعالى : (أَفَلا يَشْكُرُونَ) أي : المنعم عليهم بها فيؤمنون.
ولما ذكرهم تعالى نعمه وحذرهم نقمه عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم بقوله تعالى موبخا لهم : (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ) أي : غير (اللهِ) الذي له جميع صفات الكمال والعظمة (آلِهَةً) أي : أصناما يعبدونها بعدما رأوا منه تعالى تلك القدرة الباهرة والنعم المتظاهرة وعلموا أنه المنفرد بها (لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ) أي : رجاء أن ينصروهم فيما أحزنهم من الأمور والأمر بالعكس كما قال تعالى : (لا يَسْتَطِيعُونَ) أي : الآلهة المتخذة (نَصْرَهُمْ) أي : العابدين (وَهُمْ) أي : العابدون (لَهُمْ) أي : للآلهة (جُنْدٌ مُحْضَرُونَ) أي : الكفار جند الأصنام فيغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق لهم خيرا ولا تستطيع لهم نصرا ، وقيل : هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله تعالى ومعه أتباعه الذين عبدوه كأنهم جنده يحضرون في النار وهذا كقوله تعالى : (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [الأنبياء : ٩٨] وقوله تعالى : (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ) [الصافات : ٢٢ ـ ٢٣].
ولما بين تعالى ما تبين من قدرته الظاهرة الباهرة ووهن أمرهم في الدنيا والآخرة ذكر ما يسلي نبيه صلىاللهعليهوسلم بقوله تعالى : (فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) أي : في تكذيبك كقولهم : (لَسْتَ مُرْسَلاً) [الرعد : ٤٣] (إِنَّا نَعْلَمُ ما) أي كل ما (يُسِرُّونَ) أي : في ضمائرهم من التكذيب وغيره (وَما يُعْلِنُونَ) أي : يظهرونه بألسنتهم من الأذى وغيره من عبادة الأصنام فنجازيهم عليه.
ولما ذكر تعالى دليلا على عظم قدرته ووجوب عبادته بقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً) ذكر دليلا من الأنفس أبين من الأول بقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَ) أي : يعلم (الْإِنْسانُ) علما هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر (أَنَّا خَلَقْناهُ) أي : بما لنا من العظمة (مِنْ نُطْفَةٍ) أي : شيء حقير يسير من ماء لا انتفاع به بعد إبداعنا إياه من تراب وأنه من لحم وعظام (فَإِذا هُوَ) أي : فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة هي أبعد شيء من حالة النطفة وهي أنه (خَصِيمٌ) أي : بليغ الخصومة (مُبِينٌ) أي : في غاية البيان عما يريده حتى إنه ليجادل من أعطاه العقل والقدرة في قدرته وأنشد الأستاذ القشيري في ذلك (١) :
__________________
(١) البيتان من الوافر ، وهما لمعن بن أوس في ديوانه ص ٣٤ ، وله أو لمالك بن فهم أو لعقيل بن علفة في لسان العرب (سدد) ، والتنبيه والإيضاح ٢ / ٢٧ ، وتاج العروس (سدد) ، وبلا نسبة في لسان العرب (خفق) ، وأساس البلاغة (سدد) ، وكتاب العين ٧ / ١٨٣.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
