في قوله تعالى (مَنْ كانَ حَيًّا) على قولين : أحدهما : أن المراد به المؤمن ؛ لأنه حي القلب والكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر قال تعالى (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ) [الأنعام : ١٢٢].
والثاني : المراد به العاقل فهما فيعقل ما يخاطب به فإن الغافل كالميت (وَيَحِقَ) أي : يجب ويثبت (الْقَوْلُ) أي : العذاب (عَلَى الْكافِرِينَ) أي : العريقين في الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء ، ويمكن أن تكون هذه الآية من الاحتباك حذف الإيمان أولا لما دل عليه من ضده ثانيا ، وحذف الموت ثانيا لما دل عليه من ضده أولا ، وأفرد الضمير في الأول على اللفظ إشارة إلى قلة السعداء ، وجمع في الثاني على المعنى إعلاما بكثرة الأشقياء.
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣))
(أَوَلَمْ يَرَوْا) أي : يعلموا علما هو كالرؤية ، والاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليها للعطف (أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ) أي : في جملة الناس (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا) أي : مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا ، وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها استعارة تفيد المبالغة في الاختصاص والتفرد في الإحداث ، كما يقول القائل : عملت هذا بيدي إذا تفرد به ولم يشاركه فيه أحد (أَنْعاماً) على علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها وطبائعها وغير ذلك من أمورها ، وإنما خص الأنعام بالذكر وإن كانت الأشياء كلها من خلقه وإيجاده ، لأن الأنعام أكثر أموال العرب والنفع بها أعم (فَهُمْ لَها مالِكُونَ) أي : خلقناها لأجلهم فملكناهم إياها يتصرفون فيها تصرف الملاك أو فهم لها ضابطون قاهرون ومنه قول بعضهم (١) :
|
أصبحت لا أملك السلاح ولا |
|
أملك رأس البعير إن نفرا |
|
والذئب أخشاه إن مررت به |
|
وحدي وأخشى الرياح والمطرا |
والشاهد في قوله : ولا أملك رأس البعير أي : لا أضبطه والمعنى : لم نخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل خلقناها مذللة كما قال تعالى : (وَذَلَّلْناها لَهُمْ) أي : يسرنا قيادها ولو شئنا جعلناها وحشية كما جعلنا أصغر منها وأضعف ، فمن قدر على تذليل الأشياء
__________________
(١) البيتان من المنسرح ، وهما للربيع بن ضبع الفزاري في أمالي المرتضى ١ / ٢٥٦ ، وحماسة البحتري ص ٢٠١ ، وخزانة الأدب ٧ / ٣٨٤ ، والدرر ٥ / ٢٢ ، وشرح التصريح ٢ / ٣٦ ، والكتاب ١ / ٩٠ ، ولسان العرب (ضمن) ، والمقاصد النحوية ٣ / ٣٩٧ ، ونوادر أبي زيد ص ١٥٩ ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧ / ١٧٣ ، وأوضح المسالك ٣ / ١١٤ ، والرد على النحاة ص ١١٥ ، والمحتسب ٢ / ٩٩.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
