بجلوس أو قيام أو غيره في ذلك الموضع خاصة قبل أن يتحرك منه ، وقرأ شعبة بألف بعد النون على الجمع ، والباقون بغير ألف على الإفراد (فَمَا اسْتَطاعُوا) أي : بأنفسهم بنوع معالجة (مُضِيًّا) أي : إلى جهة من الجهات ثم عطف على جملة الشرط قوله تعالى (وَلا يَرْجِعُونَ) أي : يتجدد لهم بوجه من الوجوه رجوع إلى حالتهم التي كانت قبل المسخ دلالة على أن هذه الأمور حق لا كما يقولون من أنها خيال وسحر قيل : لا يقدرون على ذهاب ولا رجوع.
(وَمَنْ نُعَمِّرْهُ) أي : نطل عمره إطالة كثيرة (نُنَكِّسْهُ) قرأه عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح النون الثانية وتشديد الكاف مكسورة من نكسه مبالغة ، والباقون بفتح النون الأولى وسكون الثانية وتخفيف الكاف مضمومة من نكسه وهي محتملة للمبالغة وعدمها ومعنى ننكسه : (فِي الْخَلْقِ) أي : خلقه نرده إلى أرذل العمر يشبه الصبي في الخلق ، وقيل : ننكسه في الخلق أي : ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بعد زيادتها ؛ لأن الله تعالى أجرى العادة في النوع الآدمي أن من استوفى سن الصبا والشباب اثنتين وأربعين سنة حسمت غرائزه فلا تزيد فيه غريزة ووقفت قواه كلها فلم يزد فيها شيء هذا في البدن ، وأما في المعارف فتارة وتارة وهذا أيضا في غير الأنبياء عليهمالسلام ، أما هم فلا ينقص شيء من قواهم بل تزداد كما روي أن النبي صلىاللهعليهوسلم كان يمشي غير مكترث وأن الصحابة رضي الله عنهم يجهدون أنفسهم فيكون جهدهم أن لا يدركوا مشيته الهوينا و«أنه صلىاللهعليهوسلم صارع ركانة» الذي كان يضرب بقوته المثل ، وكان واثقا من نفسه أنه يصرع من صارعه فلم يملكه النبي صلىاللهعليهوسلم نفسه وعاد إلى ذلك ثلاث مرات كل ذلك لا يتمسك في يده حتى خرج يقول : إن هذا لعجب يا محمد تصرعني» (١) ، وحتى : «أنه دار على نسائه وهن تسع كل واحدة منهن تسع مرات في طلق واحد» (٢) إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس.
ولم يحك عن نبي من الأنبياء عليهمالسلام ممن عاش منهم ألفا وممن عاش دون ذلك أنه نقص شيء من قواه بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة : «أن ملك الموت عليهالسلام أرسل إلى موسى عليهالسلام ليقبض روحه فلما جاءه صكّه ففقأ عينه فقال لربه : أرسلتني لعبد لا يريد الموت قال : ارجع إليه فقل له : يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال : أي : رب ثم ماذا؟ قال : الموت قال : فالآن» (٣) وكان موسى وقت قبضه ابن مائة وعشرين سنة (أَفَلا يَعْقِلُونَ) أي : أن القادر على ذلك عندهم قادر على البعث فيؤمنون ، وقرأ نافع وابن ذكوان بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على الغيبة.
ولما منح الله تعالى نبينا محمدا صلىاللهعليهوسلم غرائز من الفضائل مما عجز عنها الأولون والآخرون ، وأتى بقرآن أعجز الأنس والجن ، وعلوم وبركات فاقت القوى ليس بشعر خلافا لما رموه به بغيا وكذبا وعدوانا قال تعالى : (وَما عَلَّمْناهُ) أي : نحن (الشِّعْرَ) فيما علمناه وهو أن يتكلف التقيد بوزن معلوم ، ورويّ مقصود وقافية يلتزمها ويدير المعاني عليها ويحتلب الألفاظ تكلفا إليها كما كان زهير وغيره في قصائدهم (وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) [ص : ٨٦] لأن ذلك ، وإن كنتم أنتم تعدونه فخرا
__________________
(١) أخرجه أبو داود في اللباس باب ٢١ ، حديث ٤٠٧٨ ، والترمذي في اللباس باب ٤٢ ، حديث ١٧٨٤.
(٢) أخرجه البخاري في الغسل حديث ٢٨٤ ، والنسائي في النكاح حديث ٣١٩٨.
(٣) أخرجه البخاري في الجنائز حديث ١٣٣٩ ، ومسلم في الفضائل حديث ٢٣٧٢ ، والنسائي في الجنائز حديث ٢٠٨٩.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
