لا يليق بجنابنا ؛ لأنه لا يفرح به إلا من يريد ترويج كلامه وتحليته بصوغه على وزن معروف مقصود وقافية ملتزمة على أن فيه نقيصة أخرى وهي أعظم ما يوجب النفرة عنه وهي أنه لا بد أن يوهي التزامه بعض المعاني ، ولما لم نعلمه هذه الدناءة طبعناه على جميع فنون البلاغة ومكناه من سائر وجوه الفصاحة ، ثم أسكنا فيه ينابيع الحكمة ودربناه على إلقاء المعاني الجليلة بما ألهمنا إياه ، ثم ألقاه إليه جبريل عليهالسلام مما أمرناه به من جوامع الكلم والحكم فلا تكلف عنده أصلا : «ما خير صلىاللهعليهوسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم» (١).
ولما كان الشعر مع ما يبنى عليه من التكلف الذي هو بعيد جدا عن سجايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف شرفهم بما يكسب مدحا وهجوا فيكون أكثره كذبا إلى غير ذلك.
قال تعالى (وَما يَنْبَغِي لَهُ) أي : وما يصح له الشعر ولا يسهل له على ما اختبرتم من طبعه نحوا من أربعين سنة ؛ لأن منصبه أجل وهمته أعلى من أن يكون مداحا أو عيابا أو أن يتقيد بما قد يجر نقيصة في المعنى وجبلته منافية لذلك غاية المنافاة بحيث لو أراد نظم شعر لم يتأت له ، كما جعلناه أميا لا يكتب ولا يحسب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض ، وما كان يتزن له بيت شعر حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا روى الحسن : «أن النبي صلىاللهعليهوسلم كان يتمثل بهذا البيت (٢) :
كفى بالشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال أبو بكر رضي الله عنه : إنما قال الشاعر :
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال عمر رضي الله عنه : أشهد أنك رسول الله يقول الله عزوجل (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ)(٣) وعن ابن شريح قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : أكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت : «كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة قالت : وربما قال :
ويأتيك بالأخبار من لم تزود (٤)
وفي رواية قالت : كان الشعر أبغض الحديث إليه قالت : ولم يتمثل بشيء من الشعر إلا ببيت أخي بني قيس طرفة العبدي (٥) :
__________________
(١) أخرجه البخاري في المناقب حديث ٣٥٦٠ ، ومسلم في الفضائل حديث ٢٣٢٧ ، وأبو داود في الأدب حديث ٤٧٨٥.
(٢) البيت بتمامه :
|
عميرة ودّع إن تجهّزت غاديا |
|
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا |
والبيت من الطويل ، وهو لسحيم عبد بني الحسحاس في الإنصاف ١ / ١٦٨ ، وخزانة الأدب ١ / ٢٦٧ ، وسر صناعة الإعراب ١ / ١٤١ ، وشرح التصريح ٢ / ٨٨ ، وشرح شواهد المغني ١ / ٣٢٥ ، والكتاب ٢ / ٢٦ ، ولسان العرب (كفى).
(٣) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي.
(٤) أخرجه الترمذي في الأدب حديث ٢٨٤٨.
(٥) البيت من الطويل ، وهو لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٤١ ، ولسان العرب (تبت) ، (ريث) ، وتاج العروس (رجز) ، وبلا نسبة في شرح قطر الندى ص ١٠٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
