تنبيه : ههنا سؤالات : الأول : ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال (نَخْتِمُ) وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل ، الثاني : ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي والشهادة للأرجل ، الثالث : أن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو على العدو غير مقبولة وإن كان عدلا ، وغير الصديقين من الكفار والفساق لا تقبل شهادتهم ، والأيدي والأرجل صدرت الذنوب عنها فهي فسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتهم؟
أجيب : عن الأول : بأنه لو قال : نختم على أفواههم وننطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبرا وقهرا والإقرار بالإجبار غير مقبول فقال (وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ) أي : بالاختيار بعدما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم.
وأجيب عن الثاني : بأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى (وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) أي : ما عملوه وقال تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة : ١٩٥] أي : ولا تلقوا أنفسكم فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهن.
وأجيب عن الثالث : بأن الأيدي والأرجل ليسوا من أهل التكلف ولا ينسب إليها عدالة ولا فسق إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه ، ولا يقال : ورد أن العين تزني وأن الفرج يزني وأن اليد كذلك ؛ لأن معناه أن المكلف يزني بها لا أنها هي تزني ، وأيضا فإنا نقول : في رد شهادتها قبول شهادتها ؛ لأنها إن كذبت في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بد أن يكون مذنبا في الدنيا وإن صدقت في ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا ، وهذا كمن قال لفاسق : إن كذبت في نهار هذا اليوم فعبدي حر فقال الفاسق : كذبت في نهار هذا اليوم عتق العبد ؛ لأنه إن صدق في قوله : كذبت في نهار هذا اليوم فقد وجد الشرط ووقع الجزاء ، وإن كذب في قوله كذبت فقد كذب في نهار ذلك اليوم فقد وجد الشرط أيضا بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني : كذبت في نهار ذلك اليوم الذي علقت عتق عبدك على كذبي فيه.
ثم بين سبحانه وتعالى أنه قادر على إذهاب الأبصار كما هو قادر على إذهاب البصائر بقوله تعالى : (وَلَوْ نَشاءُ) وعبر بالمضارع ليتوقع في كل حين فيكون أبلغ في التهديد (لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ) أي : الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق وهو معنى الطمس كقوله تعالى (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) [البقرة : ٢٠] يقول : إنا أعمينا قلوبهم ولو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة وقوله تعالى (فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ) أي : ابتدروا الطريق ذاهبين كعادتهم عطف على لطمسنا (فَأَنَّى) أي : فكيف (يُبْصِرُونَ) الطريق حينئذ وقد أعمينا أعينهم أي : لو نشاء لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عميا يترددون فلا يبصرون الطريق وهذا قول الحسن والسدي ، وقال ابن عباس ومقاتل : معناه لو نشاء لطمسنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم أفعل ذلك بهم.
ولما كان هذا كله مع القدرة على الحركة قال تعالى : (وَلَوْ نَشاءُ) أي : مسخهم (لَمَسَخْناهُمْ) أي : حولناهم عن تلك الحالة فجعلناهم حجارة أو جعلناهم قردة وخنازير.
ولما كان المقصود من المفاجأة بهذه المصائب بيان أنه سبحانه لا كلفة عليه في شيء من ذلك قال تعالى (عَلى مَكانَتِهِمْ) أي : المكان الذي كان قبل المسخ كل شخص منهم شاغلا له
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
