الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٤٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤))
(وَما أَنْزَلْنا) بما لنا من العظمة (عَلى قَوْمِهِ) أي : حبيب (مِنْ بَعْدِهِ) أي : من بعد إهلاكه أو رفعه (مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ) لإهلاكهم كما أرسلنا يوم بدر والخندق بل كفينا أمرهم بصيحة ملك ، وفيه استحقار بإهلاكهم وإيماء بتعظيم الرسول صلىاللهعليهوسلم وإلا لكان تحريك ريشة من جناح ملك كافيا في استئصالهم ، فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى (مِنْ بَعْدِهِ) وهو تعالى لم ينزل عليهم من قبله؟ أجيب : بأن استحقاق العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال الإهلاك بقوله تعالى : (وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ) أي : ما كان ذلك من سنتنا وما صح في حكمتنا أن يكون عذاب الاستئصال بجند كثير.
(إِنْ) أي : ما (كانَتْ) أي : الواقعة التي عذبوا بها (إِلَّا صَيْحَةً) صاحها بهم جبريل عليهالسلام فماتوا عن آخرهم وأكد أمرها وحقق وحدتها بقوله تعالى : (واحِدَةً) أي : لحقارة أمرهم عندنا ثم زاد في تحقيرهم ببيان الإسراع في الإهلاك بقوله تعالى : (فَإِذا هُمْ خامِدُونَ) أي : ثابت لهم الخمود ما كأنهم كانت بهم حركة يوما من الدهر شبهوا بالنار رمزا إلى أن الحي كالنار الساطعة والميت كرمادها كما قال لبيد (١) :
|
وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه |
|
يصير رمادا بعد إذ هو ساطع |
وقال المعري (٢) :
|
وكالنار الحياة فمن رماد |
|
أواخرها وأولها دخان |
قال المفسرون : أخذ جبريل عليهالسلام بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة واحدة فماتوا (يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ) أي : هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأهلكوا وهي شدة التألم ونداؤها
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو للبيد في ديوانه ص ١٦٩ ، وحماسة البحتري ص ٨٤ ، والدرر ٢ / ٥٣ ، ولسان العرب (حور) ، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١ / ١١٠.
(٢) البيت بلا نسبة في الإيضاح في علوم البلاغة ١ / ١٠١.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
