مجاز أي : هذا أوانك فاحضري ، ثم بين تعالى سبب الحسرة والندامة بقوله تعالى : (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ) أي رسول كان في أي وقت كان (إِلَّا كانُوا بِهِ) أي : بذلك الرسول (يَسْتَهْزِؤُنَ) والمستهزئ بالناصحين المخلصين أحق أن يتحسر ويتحسر عليه ، وقيل : يقول الله تعالى يوم القيامة (يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ) حين لم يؤمنوا بالرسل.
ولما بين تعالى حال الأولين قال للحاضرين : (أَلَمْ يَرَوْا) أي : أهل مكة القائلين للنبي صلىاللهعليهوسلم لست مرسلا ، والاستفهام للتقرير أي : اعلموا وقوله تعالى (كَمْ) خبرية بمعنى كثيرا وهو مفعول لأهلكنا تقديره : كثيرا من القرون أهلكنا وهي معمولة لما بعدها معلقة ليروا عن العمل ذهابا بالخبرية مذهب الاستفهامية والمعنى : أما (أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ) كثيرا (مِنَ الْقُرُونِ) أي : الأمم ، قال البغوي : والقرن أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود (أَنَّهُمْ) أي : المهلكين (إِلَيْهِمْ) أي : إلى أهل مكة (لا يَرْجِعُونَ) أي : لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون ، وقيل : لا يرجعون أي : الباقون لا يرجعون إلى المهلكين بسبب ولا ولادة أي : أهلكناهم وقطعنا نسلهم ولا شك أن الإهلاك الذي يكون مع قطع النسل أتم وأعم ، قال ابن عادل : والأول أشهر نقلا. والثاني : أظهر عقلا.
وقوله تعالى : (وَإِنْ) نافية أو مخففة وقوله تعالى (كُلٌ) أي : كل الخلائق مبتدأ وقرأ (لَمَّا) ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم بمعنى إلا ، والباقون بالتخفيف واللام فارقة وما مزيدة وقوله تعالى (جَمِيعٌ) أي : مجموعون خبر أول (لَدَيْنا) أي : عندنا في الموقف بعد بعثهم وقوله تعالى (مُحْضَرُونَ) أي : للحساب خبر ثان وما أحسن قول القائل (١) :
|
ولو أنا إذا متنا تركنا |
|
لكان الموت راحة كل حيّ |
|
ولكنا إذا متنا بعثنا |
|
ونسأل بعدها عن كل شيء |
ولما قال (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ) كان ذلك إشارة إلى الحشر فذكر ما يدل على إمكانه قطعا لإنكارهم واستبعادهم فقال تعالى : (وَآيَةٌ) أي : علامة عظيمة (لَهُمُ) أي : على قدرتنا على البعث وإيجادنا له (الْأَرْضُ) أي : هذا الجنس الذي هم منه ثم وصفها بما حقق وجه الشبه بقوله تعالى : (الْمَيْتَةُ) التي لا روح لها ؛ لأنه لا نبات بها أعم من أن يكون بها نبات وفنى أو لم يكن بها شيء أصلا ، ثم استأنف بيان كونها آية بقوله تعالى : (أَحْيَيْناها) أي : باختراع النبات فيها أو بإعادته بسبب المطر كما كان بعد اضمحلاله ، فإن قيل : الأرض آية مطلقا فلم خصها بهم حيث قال تعالى : (وَآيَةٌ لَهُمُ)؟ أجيب : بأن الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه ، وأما من عرف الشيء بطريق الرؤية فلا يذكر له دليل فالنبي صلىاللهعليهوسلم وعباد الله المخلصين عرفوا الله تعالى قبل الأرض والسماء فليست الأرض معرفة لهم.
تنبيه : آية خبر مقدم ولهم صفتها أو متعلقة بآية ؛ لأنها علامة والأرض مبتدأ ، وأعرب أبو البقاء آية مبتدأ ولهم الخبر والأرض الميتة مبتدأ وصفة وأحييناها خبره فالجملة مفسرة لآية وبهذا بدأ ثم قال : وقيل فذكر الوجه الأول.
ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال (وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا) أي : جنس الحب كالحنطة
__________________
(١) البيتان من الوافر ، وهما بلا نسبة في نفح الطيب ٩ / ٤٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
