الخطاب مع الرسل فالأمر ظاهر ؛ لأنه لما قال (آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه وقال (بِرَبِّكُمْ) وإن قلنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان التوحيد ؛ لأنه لما قال (أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) ثم قال (آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) فهم أنه يقول : ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال : آمنت بربي فيقول الكافر : وأنا أيضا آمنت بربي.
فائدة : أخبر النبي صلىاللهعليهوسلم : «أن مثل صاحب يس هذا في هذه الأمة عروة بن مسعود الثقفي حيث نادى قومه بالإسلام ونادى على علية بالأذان فرموه بالسهام فقتلوه» (١).
ثم إنه سبحانه وتعالى بين حال هذا الذي قال (آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) بعد ذلك بقوله تعالى إيجازا في البيات لأهل الإيمان : (قِيلَ) أي : قيل له بعد قتلهم إياه ، فبناه للمفعول ؛ لأن المقصود المقول لا قائله والمقول له معلوم (ادْخُلِ الْجَنَّةَ) لأنه شهيد والشهداء يسرحون في الجنة حيث شاؤوا من حين الموت ، وقيل : لما هموا بقتله رفعه الله تعالى إلى الجنة ، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف وهو المسمى بالإشمام ، والباقون بالكسر.
ولما أفضى به إلى الجنة (قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي) أي : بغفران ربي لي المحسن إلي في الآخرة بعد إحسانه في الدنيا بالإيمان في مدة يسيرة بعد طول عمري في الكفر (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) أي : الذين أعطاهم الدرجات العلا فنصح لقومه حيا وميتا بتمني عملهم بالكرامة له ليعملوا مثل عمله فينالوا ما ناله.
تنبيه : في القصة حث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار والحلم عن أهل الجهل وكظم الغيظ والتلطف في خلاص الظالم من ظلمه وأنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله وإن كان محسنا ، وهذا كما وقع للأنصار رضي الله تعالى عنهم في المبادرة إلى الإيمان مع بعد الدار والنسب ، وفي قول من استشهد منهم في بئر معونة كما رواه البخاري في المغازي عن أنس : «بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» (٢) وفي غزوة أحد. كما في السيرة وغيرها : لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله تعالى بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله تبارك وتعالى : فأنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى على رسوله صلىاللهعليهوسلم (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً) [آل عمران : [١٦٩] ، وفي التمثيل بهذه القصة إشارة إلى أن في قريش من حتم بموته على الكفر ولم ينقص ما قضى له من الأجل ، فالله سبحانه يؤيد هذا الدين بغيرهم لتظهر قدرته وحكمته :
(وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢) وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ
__________________
(١) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ٣٨٦ ، والحاكم في المستدرك ٣ / ٧١٣.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي حديث ٤٠٩٠.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
