الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصلي ثم ينام» (١) ، فإن قيل : الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال تعالى (نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ) ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم؟ أجيب : بأن الكتابة معظمة لأمر الإحياء ؛ لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم ، والكتابة في نفسها إن لم يكن هناك إحياء ولا إعادة لا يبقى لها أثر أصلا ، والإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره فلهذا قدم الإحياء ؛ لأنه تعالى قال : (إِنَّا نَحْنُ) وذلك يفيد العظمة والجبروت ، والإحياء العظيم يختص بالله تعالى والكتابة دونه تقرير التعريف الأمر العظيم وذلك مما يعظم ذلك الأمر العظيم.
ولما كان ذلك الأمر ربما أوهم الاقتصاد على ما ذكر من أحوال الآدميين دفع ذلك بقوله تعالى : (وَكُلَّ شَيْءٍ) من أمور الدنيا والآخرة (أَحْصَيْناهُ) أي : قبل إيجاده بعلمنا القديم إحصاء وحفظا وكتبناه (فِي إِمامٍ) وهو اللوح المحفوظ (مُبِينٍ) أي : لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال والأقوال فهو تعميم بعد تخصيص ؛ لأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه بل كل شيء محصى في إمام مبين ، وهذا يفيد أن شيئا من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله تعالى ولا يفوته كقوله تعالى (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) [القمر : ٥٢ ـ ٥٣] يعني ليس ما في الزبر منحصرا فيما فعلوه بل كل شيء مكتوب لا يبدل ، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال تعالى (نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا) بين أن قبل ذلك كتابة أخرى ، فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا ، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه ، قيل : إن ذلك مؤكد لمعنى قوله تعالى (وَنَكْتُبُ) ؛ لأن من يكتب شيئا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال تعالى : نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين وهو كقوله تعالى (عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى) [طه : ٥٢].
وقوله سبحانه وتعالى : (وَاضْرِبْ) بمعنى واجعل (لَهُمْ) وقوله تعالى (مَثَلاً) مفعول أول ، وقوله تعالى : (أَصْحابَ) مفعول ثان والأصل : واضرب لهم مثلا مثل أصحاب (الْقَرْيَةِ) فترك المثل وأقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله تعالى (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف : ٨٢] قال الزمخشري : وقيل لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى : اجعل أصحاب القرية لهم مثلا ، أو مثل أصحاب القرية بهم قال المفسرون : المراد بالقرية أنطاكية وقوله تعالى (إِذْ جاءَهَا) إلخ بدل اشتمال من أصحاب القرية أي : إذ جاء أهلها (الْمُرْسَلُونَ) أي : رسل عيسى عليهالسلام وإضافة إلى نفسه في قوله تعالى :
(إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ) لأنه فعل رسوله صلىاللهعليهوسلم (إِذْ أَرْسَلْنا) إلخ بدل من إذ الأولى ، وفي هذا لطيفة وهي أن في القصة أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عيسى عليهالسلام أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى : إرسال عيسى عليهالسلام هو إرسالنا ورسول رسول الله بإذن الله رسول الله فلا تفهم يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسول وإنما هو رسل الله تعالى ، فتكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله تعالى : (إِذْ أَرْسَلْنا) ويؤيد هذا مسألة فقهية وهي أن كل وكيل للوكيل بإذن الموكل عند الإطلاق وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه ، وينعزل إذا عزله الموكل الأول.
__________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان حديث ٦٥١ ، ومسلم في المساجد حديث ٦٦٢.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
