تنبيه : في بعث الاثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى عليهالسلام بإذن الله تعالى ، فكان عليهما إنهاء الأمر إليه والإتيان بما أمر الله تعالى ، والله سبحانه عالم بكل شيء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده ، وأما عيسى عليهالسلام فبشر فأمر الله تعالى بإرسال اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى عليهالسلام حجة ثابتة ، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم في الوصل ، وحمزة والكسائي بضمهما ، والباقون بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف فحمزة بضم الهاء ، والباقون بكسرها ، والجميع في الوقف بسكون الميم. (فَكَذَّبُوهُما) أي : مع ما لهما من الآيات ؛ لأن من المعلوم أنا ما أرسلنا رسولا إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر سواء أكان عنا من غير واسطة ، أو كان بواسطة رسولنا كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ذي النورين لما ذهب إلى قومه وسأل النبي صلىاللهعليهوسلم أن تكون له آية فكانت نورا في جبهته ، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه.
ولما كان المتظافر على الشيء أقوى لشأنه وأعون على ما يراد منه تسبب عن ذلك قوله تعالى (فَعَزَّزْنا) أي : قوينا (بِثالِثٍ) يقال : عزز المطر الأرض أي : قواها ولبدها ويقال لتلك الأرض العزاز وكذا كل أرض صلبة ، وتعزز لحم الناقة أي : صلب وقوي والمفعول محذوف أي : فقويناهما بثالث ، أو فغلبناهما بثالث ؛ لأن المقصود من البعثة نصرة الحق لا نصرتهما ، والكل كانوا مقوين للدين بالبرهان قال وهب : اسم المرسلين يحيى ويونس ، واسم الثالث شمعون ، وقال كعب : الرسولان صادق ومصدوق والثالث : سلوم ، وقرأ شعبة بتخفيف الزاي الأولى ، والباقون بتشديدها والزاي الثانية ساكنة بلا خلاف. (فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) وذلك أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى عليهالسلام اثنين فلما قربا من المدينة رأيا حبيبا النجار يرعى غنما فسلما عليه فقال : من أنتما؟ فقالا : رسولا عيسى عليهالسلام يدعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال : أمعكما آية؟ قالا : نعم نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى فقال : إن لي ابنا مريضا منذ سنين قالا : فانطلق بنا ننظر حاله فأتى بهما إلى منزله فمسحاه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحا ففشا الخبر في المدينة وآمن حبيب النجار ، وشفى الله تعالى على أيديهما كثيرا من المرضى وكان لهم ملك اسمه أنطيخس وكان من ملوك الروم فانتهى الخبر إليه فدعاهما فقال لهما : من أنتما؟ فقالا : رسولا عيسى عليهالسلام قال : وفيما جئتما؟ قالا : ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر قال : أولنا إله دون آلهتنا؟ قالا : نعم من أوجدك وآلهتك فقال : قوما حتى أنظر في أمركما وأمر بحبسهما وجلد كل واحد منهما مائة جلدة ، فلما كذبا وضربا بعث عيسى عليهالسلام رأس الحواريين شمعون الصفا على أثرها لينصرهما ، فدخل البلد متنكرا وجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به وأوصلوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به وأكرمه ، ثم قال له ذات يوم : أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعوا إلى غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك : حال الغضب بيني وبين ذلك قال : فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون : من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا : الله تعالى الذي خلق كل شيء وليس له شريك فقال لهما شمعون : فصفاه وأوجزا قالا : يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال لهما شمعون : وما آيتكما؟ قالا : ما يتمنى الملك فدعا بغلام مطموس العينين موضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر فأخذا
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
