قراءتها أو سماعها ، وقرأ وإذا قيل لهم هشام والكسائي بالإشمام وضم القاف مع سكون الياء والباقون بكسر القاف ، وقرأ لما يأمرنا حمزة والكسائي بالياء التحتية والباقون بالتاء الفوقية ، وأبدل ورش والسوسي الهمزة وقفا ووصلا وحمزة وقفا لا وصلا.
ولما حكى تعالى عن الكفار مزيد النفرة عن السجود وذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن قال عز من قائل : (تَبارَكَ) أي : ثبت ثباتا لا نظير له (الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ) التي تقدم أنه اخترعها ، واختلف في معنى قوله : (بُرُوجاً) فقال الزجاج ومجاهد وقتادة : هي النجوم الكبار سميت بروجا لظهورها ، وقال عطية العوفي : هي القصور فيها الحرس كما قال تعالى : (وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) [النساء ، ٧٨] وقال عطاء عن ابن عباس : هي الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة السيارة وهي : الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت ، فالحمل والعقرب بيتا المريخ ، والثور والميزان بيتا الزهرة ، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد ، والسرطان بيت القمر ، والأسد بيت الشمس ، والقوس والحوت بيتا المشتري ، والجدي والدلو بيتا زحل ، وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربعة فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية ، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية ، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية ، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.
(وَجَعَلَ فِيها) أي : السماء وقيل : البروج (سِراجاً) أي : شمسا وقرأ حمزة والكسائي بضم السين والراء على الجمع للتنبيه على عظمته في ذلك من حيث إنه أعظم من ألوف من السرج فهو قائم مقام الوصف كما في الذي بعده كما سيأتي وقيل : المراد بالجمع الشمس والكواكب الكبار ، والباقون بكسر السين وفتح الراء وألف بعدها على التوحيد (وَقَمَراً مُنِيراً) أي : مضيئا بالليل.
ولما ذكر تعالى هاتين الآيتين ذكر ماهما آيتاه بقوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ) أي : الذي آيته القمر (وَالنَّهارَ) أي : الذي آيته الشمس (خِلْفَةً) أي : ذوي حالة معروفة في الاختلاف ، فيأتي هذا خلف ذاك بضد ما له من الأوصاف ، وقال ابن عباس والحسن : يعني خلفا وعوضا يقوم أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر قال شقيق : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : فاتتني الصلاة الليلة قال : أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك ، فإن الله عزوجل جعل الليل والنهار خلفة (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ) أي : يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أنه لا بد له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد ، وقرأ حمزة بسكون الذال وضم الكاف مخففة من ذكر بمعنى تذكر والباقون بفتح الكاف والذال مشددتين.
(أَوْ أَرادَ شُكُوراً) أي : شكر نعمة ربه عليه من الإتيان بكل منهما بعد الآخر لاجتناء ثمراته ولو جعل أحدهما دائما لفاتت مصالح الآخر ولحصلت السآمة والملل منه والتواني في الأمور المقدرة بالأوقات وفتر العزم الذي إنما يثيره لتداركها دخول وقت آخر وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العلي الكبير ، وعن الحسن من فاته عمله من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب ، ومن فاته بالليل كان له في النهار مستعتب.
ولما ذكر الله تعالى عباده الذين خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزبا ولم يضفهم إلى اسم من أسمائه إيذانا بإهانتهم لهوانهم عنده أشار إلى عباده الذين أخلصهم لنفسه قوله تعالى :
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
