ولما كان صلىاللهعليهوسلم حريصا على رجوعهم ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم سلاه تعالى بقوله تعالى متعجبا من حالهم : (أَرَأَيْتَ) أي : أخبرني (مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) أي : أطاعه وبنى عليه دينه ، لا سمع حجة ولا نظر دليلا فإن قيل : لم أخر هواه والأصل قولك : اتخذ الهوى إلها؟ أجيب : بأنه ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية كما تقول : علمت منطلقا زيدا لفضل عنايتك بالمنطلق ، ولما كان لا يقدر على صرف الهوى إلا الله تعالى تسبب عن شدة حرصه على هداهم قوله تعالى : (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) أي : حافظا تحفظه من اتباع هواه لا قدرة لك على ذلك.
(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ) أي : هؤلاء المدعوّين (يَسْمَعُونَ) أي : سماع من ينزجر ولو كان غير عاقل كالبهائم (أَوْ يَعْقِلُونَ) أي : كالبهائم ما يرون ، وإن لم يكن لهم سمع حتى تطمع في رجوعهم باختيارهم من غير قسر فإن قيل : إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين وكيف بعث إليهم الرسول ، فإن من شرط التكليف العقل؟ أجيب : بأنه ليس المراد أنهم لا يعقلون شيئا بل المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل ، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم : إنما أنت أعمى وأصم فإن قيل : لم خص الأكثر بذلك دون الكل؟ أجيب : بأنه كان منهم من آمن ، ومنهم من عقل الحق فكابر استكبارا وخوفا على الرياسة.
ولما كان هذا الاستفهام مفيدا للنفي استأنف ما أفهمه بقوله تعالى : (أَنَ) أي : ما (هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ) أي : في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات (بَلْ هُمْ أَضَلُ) أي : منها (سَبِيلاً) لأنها تنقاد لمن يتعهدها ، وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك ، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي ، ولما بين تعالى جهل المعرضين عن دلائل التوحيد وبين فساد طريقهم ذكر أنواعا من الدلائل على وجود الصانع.
أولها : الاستدلال بالنظر إلى حال الظل مخاطبا رأس المخلصين الناظرين هذا النظر حثا لأهل وده على مثل ذلك بقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ) أي : تنظر (إِلى رَبِّكَ) أي : إلى صنعه وقدرته (كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ) وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس بجعله ممدودا ؛ لأنه ظل لا شمس معه ، كما قال تعالى في ظل الجنة : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) [الواقعة ، ٣٠] إذ لم يكن معه شمس وإن كان بينهما فرق وهو الليل لأن ظل الأرض الممدود على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس عما قابل قرصها من الأرض حتى امتد بساطه وضرب فسطاطه كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم وغفلة طباعهم نفوذ أسماعهم (وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ) أي : الظل (ساكِناً) أي : دائما ثابتا لا يزول ولا تذهبه الشمس لا صقا بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجر غير منبسط فلم ينتفع به أحد ، سمى انبساط الظل وامتداده تحركا منه وعدم ذلك سكونا لكنه تعالى لم يشأ بل جعله متحركا كما يسوق الشمس له ، وقال أبو عبيدة : الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة ، والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال سمي فيئا ؛ لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ) أي : الظل (دَلِيلاً) أي : أن الناس يستدلون بالشمس وأحوالها في مسيرها على
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
