أحوال الظل من كونه ثابتا في مكان أو زائلا ومتسعا أو متقلصا فلو لم تكن الشمس لما عرف الظل ولو لا النور لما عرفت الظلمة ، والأشياء تعرف بأضدادها.
(ثُمَّ قَبَضْناهُ) أي : الظل (إِلَيْنا) أي : إلى الجهة التي أردنا لا يقدر أحد غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها ، والقبض جمع المنبسط من الشيء ومعناه أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس ، فإذا طلعت قبض الله الظل (قَبْضاً يَسِيراً) أي : على مهل ، وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد شيء من المنافع ما لم يعد ولا يحصى ، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا ، وقيل : المراد من قبضها يسيرا قبضها عند قيام الساعة ، وذلك بقبض أسبابها وهي الأجرام التي تلقي الظلال ، وقوله تعالى : يسيرا كقوله تعالى : (حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ) [ق ، ٤٤] فإن قيل : ثم في هذين الموضعين كيف موقعها؟ أجيب : بأن موقعها بيان تفاضل الأمور الثلاثة كان الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم منهما تشبيها لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت.
ولما تضمنت هذه الآية الليل والنهار وهو النوع الثاني قال تعالى مصرحا بهما : (وَهُوَ) أي : ربك المحسن إليك وحده (الَّذِي جَعَلَ) دليلا على الحق وإظهارا للنعمة على الخلق (لَكُمُ اللَّيْلَ) أي : الذي تكامل به مد الظل (لِباساً) أي : ساترا للأشياء ، شبه ظلامه باللباس في ستره (وَالنَّوْمَ سُباتاً) أي : راحة للأبدان بقطع المشاغل ، وهو عبارة عن كونه موتا أصغر طاويا لما كان من الإحساس قاطعا لما كان من الشعور والتقلب فيه دلائل لأهل البصائر ، قال البغوي وغيره : وأصل السبت القطع ، وفي جعله تعالى لذلك من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يعد ولا يحصى ، وكذا في قوله تعالى : (وَجَعَلَ) أي : وحده (النَّهارَ نُشُوراً) أي : منشورا فيه لابتغاء الرزق وغيره ، وفي ذلك إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذجان للموت والنشور. يحكى أن لقمان قال لابنه : يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.
ثم ذكر النوع الثالث بقوله تعالى : (وَهُوَ) أي : وحده (الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ) وقرأه ابن كثير بالإفراد لإرادة الجنس وقرأه الباقون بالجمع لكونها تارة صبا وتارة دبورا وتارة شمالا وتارة جنوبا وغير ذلك ، ويسن الدعاء عند هبوب الريح ويكره سبها لخبر «الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها ، واستعيذوا بالله من شرها» (١) رواه أبو داود وغيره بإسناد حسن ، وقوله تعالى : (نَشْراً) قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم النون والشين أي : ناشرات للسحاب ، وقرأه ابن عامر بضم النون وسكون الشين على التخفيف ، وقرأه عاصم بالباء الموحدة مضمومة وسكون الشين جمع بشور بمعنى مبشر ، وقرأه حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر وصف به (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) أي : قدام المطر ، ولما كان الماء مسببا عما تحمله الريح من السحاب أتبعه به بقوله تعالى : (وَأَنْزَلْنا) أي : بما لنا من العظمة (مِنَ السَّماءِ) أي : من السحاب أو الجرم المعهود (ماءً) ثم أبدل منه بيانا للنعمة به ، فقال تعالى : (طَهُوراً) أي : طاهرا في نفسه مطهرا لغيره كما قال تعالى في آية أخرى : (لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [الأنفال ، ١١] ، فهو اسم لما يتطهر به كالوضوء لما يتوضأ به ، وكالسحور اسم لما يتسحر به والفطور اسم لما
__________________
(١) أخرجه أبو داود في الأدب حديث ٥٠٩٧.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٣ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4029_tafsir-alkhatib-alshirbini-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
