انتعشت حاله وحسنت ، فسألته فقال : كنت في أول أمري على ما علمت وذلك قبل أن أرزق ولدا ، فلما رزقت بكر ولدي تراخيت عن الفقر فلما ولد لي الثاني ازددت خيرا فلما تتاموا ثلاثة صبّ الله عليّ الخير ، فأصبحت إلى ما ترى ، انتهى. (وَاللهُ) أي : الذي له الملك كله (واسِعٌ) أي : ذو سعة لخلقه لا تنفد نعمه إذ لا تنتهي قدرته (عَلِيمٌ) بهم يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
ولما ذكر تعالى تزويج الحرائر والإماء ذكر حال من يعجز عن ذلك بقوله :
(وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً) أي : وليجهد في طلب العفة عن الزنا والحرام الذين لا يجدون ما ينكحون به من مهر ونفقة يوم التمكين وكسوة فصله ، وقيل : لا يجدون ما ينكحون (حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ) أي : يوسع عليهم (مِنْ فَضْلِهِ) فينكحون ، ولما ذكر تعالى نكاح الصالحين من العبيد والإماء حث على كتابتهم بالحكم التاسع وهو الأمر بالكتابة المذكور في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ) أي : يطلبون الكاتبة (مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي : من العبيد والإماء (فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) أي : أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال الكتابة.
وسبب نزول هذه الآية ما روي أن غلاما لحويطب بن عبد العزى يقال له : الصبيح ، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فأنزل الله هذه الآية ، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين فأداها ، وقتل يوم حنين في الحرب وأركانها أربعة رقيق وصيغة وعوض وسيد وشرط في السيد كونه مختارا أهل تبرع وولاء وكتابة المريض مرض الموت محسوبة من الثلث ، فإن خلف مثلي قيمته صحت الكتابة في كله أو مثل قيمته صحت في ثلثيه أو لم يخلف غيره صحت في ثلثه ، وشرط في الرقيق اختيار وعدم صبا وجنون وأن لا يتعلق به حق آدمي لازم ، وشرط في الصيغة لفظ يشعر بالكتابة كأن يقول السيد لمملوكه : كاتبتك على ألفين في شهرين كل شهر ألف ، فإذا أديتهما فأنت حر ، فيقول العبد : قبلت ذلك ، فلا يصح عقدها إلا مؤجلا منجما بنجمين فأكثر ، كما جرى عليه الصحابة فمن بعدهم ، فلا بدّ من بيان قدر العوض وصفته وعدد النجوم وقسط كل نجم فلا تجوز عند الشافعي رضي الله تعالى عنه بنجم واحد ولا بحال لأن العبد لا يملك شيئا فعقدها بحال يمنع من حصول الغرض لأنه لا يقدر على أداء البدل عاجلا ، وعند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه تجوز حالا ومؤجلا ومنجما وغير منجم ؛ لأن الله تعالى لم يذكر التنجيم ، وقياسا على سائر العقود وهي سنة لا واجبة ، وإن طلبها الرقيق لئلا يتعطل أثر الملك وتتحكم المماليك على الملاك بطلب رقيق أمين قوي على الكسب وبهما فسر الشافعي الخير في الآية واعتبرت الأمانة لئلا يضيع ما يحصله فلا يعتق ، والطلب والقدرة على الكسب ليوثق بتحصيل النجوم.
روي أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «ثلاث حق على الله عونهم المكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح يريد العفاف ، والمجاهد في سبيل الله» (١) ، فإن فقدت هذه الشروط أو بعضها فهي مباحة إذ لا يقوى رجاء العتق بها ولا تكره بحال لأنها عند فقد ما ذكر فقد تفضي إلى العتق ، نعم إن كان الرقيق فاسقا بسرقة أو نحوها ، وعلم سيده أنه لو كاتبه مع العجز عن الكسب اكتسب بطريق الفسق لم يبعد تحريمها حينئذ لتضمنها التمكين من الفساد ، وتصح على عوض قليل وكثير ، ويجب أن يحط عنه قبل عتقه شيئا متمولا من النجوم ، أو يدفعه إليه من جنسها أو من غيرها ، كما قال تعالى :
__________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٩٥٤٢ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٤٣٢٢٢.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
