(وَآتُوهُمْ) أمر للسادة (مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ) ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم أيها السادة ، وفي معنى الإيتاء حط شيء متمول مما التزموه بل الحط أولى من الدفع ؛ لأن القصد بالحط الإعانة على العتق وهي محققة فيه موهومة في الدفع إذ قد يصرف المدفوع في جهة أخرى ، وكون ذلك في النجم الأخير أولى منه فيما قبله لأنه أقرب إلى العتق.
يروى أن عمر رضي الله تعالى عنه كاتب عبدا له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمر وقال : استعن به على كتابتك ، فقال : لو أخرته إلى آخر نجم ، فقال : أخاف أن لا أدرك ذلك وكونه ربعا من النجوم أولى ، فإن لم تسمح به نفسه فكونه سبعا أولى ، روى حط الربع النسائي وغيره ، وحط السبع مالك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه ، وعند أبي حنيفة أمر للمسلمين على جهة الوجوب بإعانتهم للمكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال كقوله : (وَفِي الرِّقابِ) [البقرة ، ١٧٧] ولما بين تعالى ما يصح من تزويج العبيد والإماء أتبع ذلك بالحكم العاشر وهو الإكراه على الزنا المذكور في قوله تعالى : (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ) أي : إماءكم (عَلَى الْبِغاءِ) أي : الزنا.
كان لعبد الله بن أبيّ رأس المنافقين ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة ، يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فنزلت ، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون إماءهم ، فلما جاء الإسلام قالت مسيكة لمعاذة : إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين ، فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه ، وإن يك شرا فقد آن لنا أن ندعه ، فأنزل الله هذه الآية ، وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يوما ببرد ، وجاءت الأخرى بدينار فقال لهما : ارجعا فازنيا ، فقالا : والله لا نفعل قد جاء الإسلام وحرم الزنا ، فأتيا رسول الله صلىاللهعليهوسلم وشكيا إليه فنزلت.
ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة ، وفي الحديث عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي» (١)(إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) أي : تعففا عنه وهذه الإرادة محل الإكراه فلا مفهوم للشرط ؛ لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن ، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن فإنها بغي الطبع طوعا ، وكلمة إن وإيثارها على إذا إيذان بأن الباغيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر ولأن الكلام ورد على سبب ، وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية ، فخرج النهي على صورة صفة السبب وإن لم تكن شرطا فيه ، وقال الحسين بن الفضل : في الآية تقديم وتأخير تقديرها : وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصنا ، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء (لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي : تطلبوا من أموال الدنيا بكسبهن وأولادهن (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ) أي : لهن (رَحِيمٌ) بهن ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال لهن : والله لهن أي : لا للمكره إلا إذا تاب.
فإن قيل : إن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة؟ أجيب : بأن الزنا لا يباح بالإكراه فهي آثمة لكن لا حد عليها للإكراه.
__________________
(١) أخرجه البخاري في العتق حديث ٢٥٥٢ ، ومسلم في الألفاظ حديث ٢٢٤٩ ، وأبو داود في الأدب حديث ٤٩٧٥.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
