سنة فقد حلت لهم العزوبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال» (١) ، وفي رواية : «يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية ، فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة» (٢) ، ويندب النكاح للمرأة التائقة وفي معناها المحتاجة إلى النفقة ، والخائفة من اقتحام الفجرة ، ويستحب أن تكون المنكوحة بكرا إلا لعذر لقوله صلىاللهعليهوسلم : «هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك» (٣) ، ولودا لقوله صلىاللهعليهوسلم : «تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (٤) ، وفي رواية : «يا عياض لا تتزوج عجوزا ولا عاقرا ، فإني مكاثر دينه» (٥) لما روى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» (٦).
وقيل : المراد بالصالحين الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه ، وقوله تعالى : (إِنْ يَكُونُوا) أي : الأحرار (فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ) أي : بالتزويج (مِنْ فَضْلِهِ) ردّ لما عساه أن يمنع من النكاح والمعنى لا يمنعهن فقر الخاطب والمخطوبة من المناكحة ، فإن في فضل الله غنية عن المال فإنه غاد ورائح ، أو وعد من الله تعالى بالغنى لقوله صلىاللهعليهوسلم : «اطلبوا الغنى في هذه الآية» (٧).
لكن ينبغي أن تكون شريطة الله تعالى غير منسية في هذا الوعد ونظائره ، وهي مشيئته ولا يشاء الحكيم إلا ما اقتضته الحكمة ، ونحوه : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) [الطلاق ، ٢ ـ ٣] ، وقد جاءت الشريطة منصوصة في قوله تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة ، ٢٨] ، ومن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضا بعزب كان غنيا فأفقره النكاح. وبفاسق تاب واتقى الله وكان له شيء ففني وأصبح مسكينا ، وورد : «التمسوا الرزق بالنكاح» (٨) ، وشكى إلى النبي صلىاللهعليهوسلم رجل الحاجة فقال : «عليك بالباءة» (٩) أي : النكاح ، وعن عمر رضي الله عنه : عجبت لمن يبتغي الغنى بغير النكاح ، والله تعالى يقول : (إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ،) وحكي عنه أنه قال : عجبت لمن لم يطلب الغنى بالباءة ، وقال طلحة بن مطرف : تزوجوا فإنه أوسع لكم في رزقكم وأوسع في أخلاقكم ويزيد الله في ثروتكم ؛ قال الزمخشري : ولقد كان عندنا رجل رازح الحال ثم رأيته بعد سنين وقد
__________________
(١) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي.
(٢) الحديث لم أجده.
(٣) أخرجه البخاري في البيوع باب ٣٤ ، والوكالة باب ٨ ، والمغازي باب ١٨ ، والنكاح باب ١٠ ، ١٢١ ، ١٢٢ ، والنفقات باب ١٢ ، والدعوات باب ٥٣ ، ومسلم في الرضاع حديث ٥٤ ، ٥٥ ، ٥٦ ، ٥٨ ، وأبو داود في النكاح باب ٣ ، والترمذي في النكاح حديث ١١٠٠ ، وابن ماجه في النكاح حديث ١٨٦٠ ، وأحمد في المسند ٣ / ٣٠٨ ، ٣١٤.
(٤) أخرجه أبو داود في النكاح حديث ٢٠٥٠ ، والنسائي في النكاح حديث ٣٢٢٧.
(٥) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٧ / ٣٦٨ ، والحاكم في المستدرك ٣ / ٢٩٠ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٤ / ٢٥٨ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٤٤٦١٠.
(٦) أخرجه مسلم في الرضاع حديث ١٤٦٧ ، وابن ماجه في النكاح حديث ١٨٥٥.
(٧) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي.
(٨) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء ١ / ٢٠٢ ، ٣٦١ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٤٤٤٣٦ ، وابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١١٩.
(٩) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١١٩.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
