(وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ) جمع أيم والأيامى واليتامى أصلهما أيايم ويتايم فقلبا ، والأيم هي من ليس لها زوج بكرا كانت أو ثيبا ، ومن ليس له امرأة فيشمل ذلك الذكر والأنثى قال الشاعر (١) :
|
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي |
|
وإن كنت أفتى منكم أتأيم |
أي : أقرب إلى الشباب منك وأتأيم بالرفع على قلة جواب إن تتأيمي ، وما بينهما جملة معترضة ، والمعنى أوافقك في حالتي التزوج والتأيم ، وإن كنت أقرب إلى الشباب منك ، وعنه صلىاللهعليهوسلم : «اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والغيمة ، والأيمة والقزم والقرم» (٢) العيمة : شهوة اللبن ، والغيمة : العطش ، والأيمة : شهوة النكاح مع الخلو من الزوجية ، والقزم : البخل ، والقرم : شهوة اللحم ، وهذا في الأحرار والحرائر ، وأما غيرهم فهو قوله تعالى : (وَالصَّالِحِينَ) أي : المؤمنين (مِنْ عِبادِكُمْ) وهو من جموع عبد ، (وَإِمائِكُمْ) والخطاب للأولياء والسادة ، وهذا الأمر أمر ندب ، فيستحب لمن تاقت نفسه للنكاح ووجد أهبته أن يتزوج ومن لم يجد أهبته استحب له أن يكسر شهوته بالصوم لما ورد أنه صلىاللهعليهوسلم قال : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (٣) أي : قاطع لشهوته لأن الوجاء بكسر الواو نوع من الخصاء وهو أن ترض عروق الأنثيين وتترك الخصيتان كما هما ، فشبه الصوم في قطعه شهوة النكاح بالوجاء الذي يقطع النسل ، والباءة بالمد مؤن النكاح ، وهي المهر وكسوة فصل التمكين ونفقة يومه.
فإن لم تنكسر شهوته بالصوم فلا يكسرها بالكافور ونحوه بل يتزوج ، ويكره لغير التائق إن فقد الأهبة أو وجدها وكان به علة كهرم فإن وجدها ولا علة به وهو غير تائق فالتخلي للعبادة أفضل من النكاح إن كان متعبدا فإن لم يتعبد فالنكاح أفضل من تركه لقوله صلىاللهعليهوسلم : «من أحب فطرتي فليستن بسنتي» (٤) وهي النكاح ، وعنه صلىاللهعليهوسلم : «من كان له مال يتزوج به فلم يتزوج فليس منا» (٥) ، وعنه صلىاللهعليهوسلم : «إذا تزوج أحدكم عج شيطانه يا ويلاه عصم ابن آدم مني ثلثي دينه» (٦) والأحاديث في ذلك كثيرة ، وربما كان واجب الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة ، وعنه صلىاللهعليهوسلم : «إذا أتى على أمتي مائة وثمانون
__________________
(١) يروى البيت بلفظ :
|
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي |
|
يدا الدهر ما لم تنكحي أتأيّم |
والبيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب (أيم).
(٢) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف ١١٨.
(٣) أخرجه البخاري في الصوم حديث ١٩٠٥ ، ومسلم في النكاح حديث ١٤٠٠ ، وأبو داود في النكاح حديث ٢٠٤٦ ، والنسائي في الصيام حديث ٢٢٤٠.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧ / ٧٨ ، وعبد الرزاق في المصنف ١٠٣٧٨ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٤ / ٢٥٢ ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٥ / ٢٨٦ ، ٩ / ٣٥٥ ، والسيوطي في الدر المنثور ٢ / ٣١١ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٤٤٤١٣ ، ٤٤٤٥٦.
(٥) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي.
(٦) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال ٤٤٤٥٤.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
