(فَنَبَذْتُها) أي : في الحلي الملقى في النار ، أو في العجل (وَكَذلِكَ) أي : وكما سولت لي نفسي أخذ أثره (سَوَّلَتْ) أي : حسنت وزينت (لِي نَفْسِي) نبذها في الحلي فنبذتها ، وكان منها ما كان ، ولم يدعني إلى ذلك داع ، ولا حملني عليه حامل غير التسويل.
تنبيه : كون المراد بالرسول جبريل هو ما عليه عامة المفسرين ، وأراد بأثره التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته لما رآه يوم فلق البحر ، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن جبريل لما نزل ليذهب بموسى إلى الطور أبصره السامري من بين الناس ، واختلفوا في أنه كيف اختص السامري برؤية جبريل ومعرفته من بين الناس ، فقال ابن عباس في رواية الكلبي : إنما عرفه لأنه رباه في صغره ، وحفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني اسرائيل ، فكانت المرأة إذا ولدت طرحت ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون ، فتأخذ الملائكة الولدان ويربونهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس ، فكان السامري ممن أخذه جبريل ، وجعل كف نفسه في فيه ، وارتضع منه العسل واللبن ، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه ، فلما رآه عرفه ؛ قال ابن جريح : فعلى هذا قوله : (بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) يعني : رأيت ما لم يروه.
ومن فسر الإبصار بالعلم فهو صحيح ، ويكون المعنى : علمت أن تراب فرس جبريل له خاصية الإحياء ؛ قال أبو مسلم ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون ، فههنا وجه آخر ، وهو أن يكون المراد بالرسول موسى وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به ، فقد يقول الرجل : إن فلانا يقفوا أثر فلان ، ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه ، والتقدير أن موسى لما أقبل على السامري باللوم ، والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في العجل ، قال : بصرت بما لم يبصروا به ؛ أي : عرفت أن الذي أنت عليه ليس بحق ، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول ؛ أي : شيئا من دينك ، فقذفته ؛ أي : طرحته ، فعند ذلك أعلمه موسى بما له من العذاب في الدنيا والآخرة ، وإنما أورد لفظ الإخبار عن غائب كما يقول الرجل لرئيسه وهو مواجه له ما يقول الأمير في كذا ، أو بماذا يأمر الأمير ، وأما ادعاؤه أن موسى رسول مع جحده وكفره.
فعلى مذهب من حكى الله فيه قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) [الحجر ، ٦] وإن لم يؤمنوا بالإنزال قال الرازي : وهذا القول الذي ذكره أبو مسلم ليس فيه إلا أنه مخالف للمفسرين ، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه :
أحدها : أنّ جبريل ليس معهود باسم الرسول ، ولم يجر له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه ، فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل كأنه تكليف بعلم الغيب.
وثانيها : أنه لا بد فيه من الإضمار ، وهو قبضة من أثر حافر دابة الرسول ، والإضمار خلاف الأصل.
وثالثها : أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع الناس برؤية جبريل ومعرفته ، وكيف عرف أن تراب حافر فرسه له هذا الأثر ، والذي ذكروه من أن جبريل هو الذي رباه فبعيد ؛ لأن السامري إن عرف أنه جبريل حال كمال عقله عرف قطعا أن موسى نبيّ صادق ، فكيف يحاول الإضلال ، وإن كان ما عرفه حال البلوغ ، فأنى ينفعه كون جبريل مر بباله حال الطفولية في حصول تلك المعرفة.
ثم إن موسى لما سمع من السامري ما ذكر (قالَ) له (فَاذْهَبْ) أي : فتسبب عن فعلك أن
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
