قائلا كيف يكون بغير سبب أجاب جبريل بقوله : (قالَ رَبُّكِ هُوَ) أي : المذكور وهو إيجاد الولد على هذه الهيئة (عَلَيَ) وحدي لا يقدر عليه غيري (هَيِّنٌ) أي : بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به ولكون ما ذكر في معنى العلة عطف عليه (وَلِنَجْعَلَهُ) بما لنا من العظمة (آيَةً لِلنَّاسِ) أي : علامة على كمال قدرتنا على البعث أدل من الآية في يحيى وبه تمام القسمة الرباعية في خلق البشر فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر وحواء من ذكر بلا أثنى وآدم لا من ذكر ولا أنثى وبقية أولاده من ذكر وأنثى معا (وَرَحْمَةً مِنَّا) على العباد يهتدون به (وَكانَ) ذلك كله (أَمْراً مَقْضِيًّا) به في علمي.
وقوله تعالى : (فَحَمَلَتْهُ) فيه حذف تقديره : فنفخنا فيها فحملته دل على ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء : (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) [التحريم ، ١٢] ، واختلف في النافخ فقال بعضهم : كان النفخ من الله تعالى لهذه الآية ولأنه تعالى قال : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ) [آل عمران ، ٥٩] ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل ، وفي حق آدم النافخ هو الله تعالى قال تعالى : (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) [الحجر ، ٢٩] فكذا ههنا ، وقال بعضهم : النافخ جبريل لأن الظاهر من قول جبريل : (لِأَهَبَ لَكِ) على أحد القراءتين أنه النافخ ، واختلف في كيفية نفخه فقيل : إن جبريل رفع درعها فنفخ في جيبها فحملت حين لبسته ، وقيل : مدّ إلى جيب درعها أصابعه ونفخ في الجيب ، وقيل : نفخ في كمّ قميصها ، وقيل : في فيها ، وقيل : نفخ جبريل نفخا من بعيد فوصل النفخ إليها فحملت بعيسى في الحال ، وقيل : نفخ في ذيلها فدخلت النفخة في صدرها فحملت فجاءت أختها امرأة زكريا تزورها فلما التزمتها عرفت أنها حبلى وذكرت مريم حالها فقالت امرأة زكريا : إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى : (مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ) [آل عمران ، ٣٩] وقيل : حملت وهي بنت ثلاث عشرة سنة ، وقيل : بنت عشرين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل ، قال الرازي : وليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأقوال المذكورة. ثم عقب بالحمل قوله : (فَانْتَبَذَتْ بِهِ) أي : فاعتزلت به وهو في بطنها حالة (مَكاناً قَصِيًّا) أي : بعيدا من أهلها أو من المكان الشرقي.
وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء التعقيب في قوله :
(فَأَجاءَهَا) أي : فأتى بها وألجأها (الْمَخاضُ) وهو تحرك الولد في بطنها للولادة (إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ) وهو ما برز منها من الأرض ولم يبلغ الأغصان وكأنّ تعريفها لأنه لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها فكانت كالعلم لما فيها من العجب لأن النخل من أقل الأشجار صبرا على البرد ولعلها ألجئت إليها دون غيرها من الأشجار على كثرتها لمناسبة حال النخلة لها لأنها لا تحمل إلا باللقاح من ذكر النخل فحملها بمجرّد هزها أنسب شيء بإتيانها بولد من غير والد فكيف إذا كان ذلك في غير وقته ، وكانت يابسة مع ما لها فيها من المنافع بالاستناد إليها والاعتماد عليها وكون رطبها خرسة للنفساء وغاية في نفعها وغير ذلك والخرسة بخاء معجمة مضمومة طعام النفساء وهو مراد الجوهري بقوله : طعام الولادة.
قال ابن عباس : الحمل والولادة في ساعة واحدة ، وقيل : ثلاث ساعات حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها ، وقيل : كانت مدته تسعة أشهر كحمل سائر النساء ، وقيل : كانت مدة حملها ثمانية أشهر وذلك آية أخرى له لأنه لا يعيش من ولد لثمانية أشهر وولد عيسى لهذه المدّة وعاش ، وقيل : ولد لستة أشهر. ولما كان ذلك أمرا صعبا
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
