ولما رأت مريم جبريل نحوها (قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ) أي : أعتصم (بِالرَّحْمنِ) ربي الذي رحمته عامة لجميع خلقه (مِنْكَ) أي : أن تقربني وفتح ياء (إِنِّي) نافع وابن كثير وأبو عمرو وسكنها الباقون وهم على مراتبهم في المدّ ، ولما تفرست فيه بما أنار الله تعالى من بصيرتها وأصفى من سريرتها التقوى قالت : (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) أي : مؤمنا مطيعا ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي : إني عائذة منك أو نحو ذلك دل تعوذها من تلك الصورة الحسنة على عفتها وورعها فإن قيل : إنما يستعاذ من الفاجر فكيف قالت : (إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا؟) أجيب : بأن هذا كقول القائل : إن كنت مؤمنا فلا تظلمني أي : ينبغي أن يكون إيمانك مانعا لك من الظلم كذلك هنا ينبغي أن تكون تقواك مانعة لك من الفجور وهذا في نهاية الحسن لأنها علمت أنها لا تؤثر الاستعاذة إلا في التقي وهو كقوله تعالى : (وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [البقرة ، ٢٧٨] أي : إن شرط الإيمان يوجب هذا لا أن الله تعالى يخشى في حال دون حال ، وقيل : كان في ذلك الزمان إنسان فاجر يتبع النساء اسمه تقي فظنت مريم أن ذلك الشخص المشاهد هو ذلك فاستعاذت منه ، قال الرازي : والأول هو الوجه.
ولما علم جبريل خوفها (قالَ) مجيبا لها بما معناه : إني لست ممن تخشين أن يكون متهما مؤكدا لأجل استعاذتها (إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) أي : الذي عذت به فأنا لست متهما بل متصف بما ذكرت وزيادة الرسالة وعبر باسم الرب المقتضي للإحسان لطفا بها ، ولأن هذه السورة مصدرة بالرحمة ومن أعظم مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده وقوله : ليهب لك قرأ ورش وأبو عمرو وقالون بخلاف عنه بالياء أي : ليهب الله تعالى لك ، وقرأ الباقون بالهمز أي : لأهب أنا لك وفي مجازه وجهان : الأول : أن الهبة لما جرت على يده بأن كان هو الذي ينفخ في جيبها بأمر الله تعالى جعل نفسه كأنه هو الذي وهب لها وإضافة الفعل إلى من هو سبب مستعمل ، قال الله تعالى في الأصنام : (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) [إبراهيم ، ٣٦] ، الثاني : أن جبريل لما بشرها بذلك كانت البشارة الصادقة جارية مجرى الهبة. ثم بيّن الموهوب بقوله : (غُلاماً) أي : ولدا ذكرا في غاية القوة والرجولية ثم وصفه بقوله : (زَكِيًّا) أي : نبيا طاهرا من كل ما يدنس البشر ناميا على الخير والبركة.
(قالَتْ) مريم (أَنَّى) أي : من أين وكيف (يَكُونُ لِي غُلامٌ) ألده (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) بنكاح (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) أي : زانية فتعجبت مما بشرها به جبريل لأنها قد عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل ، والعادة عند أهل المعرفة معتبرة في الأمور وإن جوزا خلاف ذلك في القدرة فليس في قولها هذا دلالة على أنها لم تعلم أنه تعالى قادر على خلق الولد ابتداء وكيف وقد عرفت أنه تعالى خلق أبا البشر على هذا الحدّ ولأنها كانت منفردة للعبادة ومن يكون كذلك لا بدّ أن يعرف قدرة الله تعالى على ذلك وبما تقرر سقط ما قيل ، قولها : (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) يدخل تحته قولها : (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) ولهذا اقتصر عليه في سورة آل عمران بقولها : (قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) [آل عمران ، ٤٧] فلم تذكر البغي ، ويجوز أن يقال : إنها أفردت ذكر البغي مع دخوله في الكلام الأول لأنه أعظم ما في بابه فهو نظير قوله تعالى : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) [البقرة ، ٢٣٨] وقوله تعالى : (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) [البقرة ، ٩٨].
(قالَ) لها جبريل الأمر (كَذلِكِ) من خلق غلام منك بغير أب. ولما كان لسان الحال
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
