عليها جدا كان كأنه قيل : يا ليت شعري ما كان حالها؟ فقيل : (قالَتْ) لما حصل عندها من خوف العار (يا لَيْتَنِي مِتُ) وأشارت إلى استغراق الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جارّ (قَبْلَ هذا) أي : الأمر العظيم ، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي مت بكسر الميم والباقون بالضم (وَكُنْتُ نَسْياً) أي : شيئا من شأنه أن يطرح وينسى (مَنْسِيًّا) أي : متروكا بالفعل لا يخطر على بال.
فإن قيل : لم قالت ذلك مع أنها كانت تعلم أن الله تعالى بعث جبريل إليها ووعدها بأن يجعلها وولدها آية للعالمين؟.
أجيب عن ذلك بأجوبة : الأول : أنها تمنت ذلك استحياء من الناس فأنساها الاستحياء بشارة الملائكة بعيسى. الثاني : أنّ عادة الصالحين إذا وقعوا في بلاء أن يقولوا ذلك كما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال : طوبى لك يا طائر تقع على الشجر وتأكل من الثمر وددت أني ثمرة ينقرها الطائر ، وعن عمر رضي الله عنه أنه أخذ تبنة من الأرض فقال : يا ليتني هذه التبنة ولم أكن شيئا ، وعن علي رضي الله عنه يوم الجمل : ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ، وعن بلال : ليت بلالا لم تلده أمه فثبت أن هذا الكلام يذكره الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. الثالث : لعلها قالت ذلك لئلا يقع في المعصية من يتكلم فيها وإلا فهي راضية بما بشرت به ، وقرأ حفص وحمزة نسيا بفتح النون والباقون بالكسر.
وقوله تعالى : (فَناداها مِنْ تَحْتِها) قرأه نافع وحفص وحمزة بكسر (مِنْ) وجر التاء من تحتها والباقون بفتح (مِنْ) ونصب تحتها وأمال ألف ناداها حمزة والكسائي إمالة محضة ، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ، وفي المنادي أوجه :
أحدها : أنه عيسى وهو قول الحسن وسعيد بن جبير.
ثانيها : أنه جبريل وأنه كالقابلة للولد.
ثالثها : أن المنادي على القراءة بالفتح هو عيسى وعلى القراءة بالكسر وهو جبريل وهو مروي عن ابن عيينة وعاصم ، قال الرازي : والأول أقرب وصدر به البيضاوي واقتصر الجلال المحلي على الثاني ، والمعنى على الأول : أن الله تعالى أنطقه لها حين ولدته تطييبا لقلبها وإزالة للوحشة عنها حتى تشاهد في أول الأمر ما بشرها به جبريل من علو شأن ذلك الولد ، وعلى الثاني : أن الله تعالى أرسله إليها ليناديها بهذه الكلمات كما أرسل إليها في أوّل الأمر تذكيرا للبشارات المتقدمة والضمير في تحتها للسيدة مريم وعلى تقدير أن يكون المنادي هو عيسى فهو ظاهر ، وإن كان جبريل فقيل : إنه كان تحتها يقبل الولد كالقابلة ، وقيل : تحتها أسفل من مكانها ، وقيل : الضمير فيه للنخلة أي : ناداها من تحتها (أَلَّا تَحْزَنِي) يجوز في (أن) أن تكون مفسرة لتقدمها ما هو بمعنى القول و (لا) على هذا ناهية وحذف النون للجزم وأن تكون الناصبة و (لا) حينئذ نافية وحذف النون للنصب ومحل (أن) إما نصب أو جرّ لأنها على حذف حرف الجر أي : فناداها بكذا (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ) أي : المحسن إليك (تَحْتَكِ) في هذه الأرض التي لا ماء جار فيها (سَرِيًّا) أي : جدولا من الماء تطيب به نفسك ، قال الرازي : اتفق المفسرون إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد أن السري : هو النهر والجدول سمي بذلك لأن الماء يسري فيه ، وأما الحسن وابن زيد فإنهما جعلا السري هو عيسى والسري هو النبيل الجليل يقال : فلان من سروات قومه أي : أشرافهم ، واحتج
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
