مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩))
(وَاذْكُرْ) بلفظ الأمر (فِي الْكِتابِ) أي : القرآن (مَرْيَمَ) أي : قصتها وهي ابنة عمران خالة يحيى كما في الصحيح من حديث أنس بن مالك بن صعصعة الأنصاري في حديث الإسراء «فلما خلصت فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة» (١) ثم أبدل من مريم بدل اشتمال فقال : (إِذِ) أي : اذكر ما اتفق لها حين (انْتَبَذَتْ) أي : كلفت نفسها أن اعتزلت وانفردت (مِنْ أَهْلِها) حالة (مَكاناً شَرْقِيًّا) أي : شرقي بيت المقدس. وقال الرازي : شرقي دارها ، وعن ابن عباس إني لأعلم خلق الله تعالى لأي شيء اتخذت النصارى الشرق قبلة لقوله تعالى : (مَكاناً شَرْقِيًّا) فاتخذت ميلاد عيسى قبلة ، واقتصر الجلال المحلي على الشرق من الدار وتردّد البيضاوي بينهما فقال : شرقيّ بيت المقدس أو شرقي دارها انتهى ، ويحتمل أن يكون شرقي بيت المقدس هو شرقي دارها فلا مخالفة.
(فَاتَّخَذَتْ) أي : أخذت بقصد وتكلف ودل على قرب المكان بالإتيان بالجارّ فقال : (مِنْ دُونِهِمْ) أي : أدنى مكان من مكانهم (حِجاباً) أي : أرسلت سترا تستتر به لغرض صحيح وليس بمذكور ، واختلف المفسرون فيه على وجوه :
أحدها : أنها طلبت الخلوة كيلا تشتغل عن العبادة.
ثانيها : أنها عطشت فخرجت إلى المفازة تستقي.
ثالثها : أنها كانت في منزل زوج أختها زكريا وفيه محراب على حدة تسكنه ، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها وثوبها فانفجرت لها الشمس فخرجت فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك كما قال تعالى : (فَأَرْسَلْنا) لأمر يدل على عظمتنا (إِلَيْها رُوحَنا) أي : جبريل ليعلمها بما يريد بها من الكرامة بولادة عيسى من غير أب لئلا يشتبه عليها الأمر فتقتل نفسها غما (فَتَمَثَّلَ لَها) أي : تشبح بشين معجمة ثم باء موحدة ثم حاء مهملة وهو روحاني بصورة الجسماني (بَشَراً سَوِيًّا) في خلقه حسن الشكل.
رابعها : أنها قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض متحجبة بشيء يسترها ، وكانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل بعد لبسها ثيابها متمثلا بصورة شاب أمرد سوي الخلق تستأنس بكلامه إذ لو أتاها في الصورة الملكية لنفرت منه ولم تقدر على استماع كلامه ، قال البيضاوي : ولعله لتهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها أي : مع أمنها الفتنة لعفتها ، قال الرازي : وكل هذه الوجوه محتملة وليس في اللفظ ما يدل على ترجيح واحد منها.
__________________
(١) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث ٣٤٣٠ ، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٩ ، والنسائي في الصلاة باب ١.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
