وروينا أنه أخذ رأسه فاقتلعه بيده ، وروى عبد الرزاق هذا الخبر وأشار بيده بأصابعه الثلاثة الإبهام والسبابة والوسطى وقلع رأسه ، وروي أنه رضخ رأسه بالحجارة ، وقيل : ضرب رأسه بالجدار فقتله وكونه لم يبلغ الحنث هو قول الأكثرين. وقال الحسن : كان رجلا ، قال شعيب الحياني : وكان اسمه جيسور ، وقال الكلبي : كان فتى يقطع الطريق ويأخذ المتاع ويلتجئ إلى أبويه ، وقال الضحاك : كان غلاما يعمل بالفساد ويتأذى منه أبواه ، وعن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا» (١). قال الرازي : وليس في القرآن كيف لقياه ، هل كان يلعب مع جمع من الغلمان أو كان منفردا؟ وهل كان مسلما أو كافرا؟ وهل كان بالغا أو صغيرا؟ وكأن اسم الغلام بالصغير أليق وإن احتمل الكبير إلا أن قوله : (بِغَيْرِ نَفْسٍ) أليق بالبالغ منه بالصبيّ لأن الصبي لا يقتل وإن قتل ، قال البقاعي : إلا أن يكون شرعهم لا يشترط البلوغ ، وقال ابن عباس : ولم يكن نبي الله يقول : أقتلت نفسا زاكية بغير نفس إلا وهو صبيّ ، قال الرازي أيضا : وكيفية قتله هل قتله بأن حزّ رأسه أو بأن ضرب رأسه بالجدار أو بطريق آخر فليس في القرآن ما يدل على شيء من هذه الأقسام انتهى. ثم أجاب الشرط بقوله مشعرا بأن شروعه في الإنكار في هذه أسرع (قالَ) موسى : (أَقَتَلْتَ) يا خضر (نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) قتلتها ليكون قتلها لها قودا ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بألف بعد الزاي وتخفيف الياء التحتية والباقون بغير ألف بعد الزاي وتشديد التحتية ، قال الكسائي : الزاكية والزكية لغتان ومعنى هذه الطهارة ، وقال أبو عمرو : الزاكية التي لم تذنب والزكية التي أذنبت ثم تابت ثم استأنف قوله : (لَقَدْ) أظهر الدال نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون (جِئْتَ) في قتلك إياها (شَيْئاً) وصرح بالإنكار في قوله : (نُكْراً) لأن مباشرة الخرق سبب ، ولهذا قال بعضهم : النكر أعظم من الأمر في القبح لأن قتل الغلام أعظم من خرق السفينة لأنه يمكن أن لا يحصل الغرق ، وأمّا هنا فقد حصل الإتلاف قطعا ، والنكر ما أنكرته العقول ونفرت منه النفوس فهو أبلغ في القبح من الأمر ، وقيل : الأمر أعظم لأن خرق السفينة يؤدي إلى إتلاف نفوس كثيرة وهذا القتل ليس إلا إتلاف شخص واحد ، وقرأ نافع وابن ذكوان وشعبة برفع الكاف والباقون بسكونها.
ولما كانت هذه ثانية. (قالَ) له الخضر : (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ) يا موسى (لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) وهذا عين ما ذكره في المسألة الأولى إلا أنه هنا زاد لفظه لك فإن قيل : لم زادها هنا؟ أجيب : بأنه زادها مكافحة بالعقاب على رفض الوصية ووسما بقلة الصبر والثبات لما تكرر منه الاشمئزاز والاستكبار ولم يرعو بالتذكير أول مرّة ، قال ابن الأثير : المكافحة المدافعة والمضاربة والاشمئزاز من اشمأز الرجل أي : انقبض قلبه ، قال البغوي : وفي القصة أن يوشع كان يقول لموسى : يا نبيّ الله اذكر العهد الذي أنت عليه.
(قالَ) موسى حياء منه لما أفاق بتذكيره ما حصل من فرط الوجد لأمر الله تعالى فذكر أنه ما تبعه إلا بأمر الله تعالى (إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها) أي : بعد هذه المرّة وأعلم بشدّة ندمه على الإنكار بقوله : (فَلا تُصاحِبْنِي) أي : لا تتركني أتبعك بل فارقني ثم علل ذلك بقوله : (قَدْ بَلَغْتَ) وأشار إلى أن ما وقع منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق التي اضطر إليها فقال : (مِنْ
__________________
(١) أخرجه مسلم في القدر حديث ٢٦٦١ ، وأبو داود في السنة حديث ٤٧٠٥.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
