الخضر فأسا فخرق السفينة بأن قلع لوحا أو لوحين من ألواحها من جهة البحر لما بلغت اللجة ولم يقترن خرق بالفاء لأنه لم يكن مسببا عن الركوب ، ثم استأنف قوله : (قالَ) أي : موسى منكرا لذلك لما في ظاهره من الفساد بإتلاف المال المفضي إلى فساد أكبر منه بإهلاك النفوس ناسيا لما عقد على نفسه على أنه لو لم ينس لم يترك الإنكار كما فعل عند قتل الغلام لأن مثل ذلك غير داخل في الوعد ، لأنّ المستثنى شرعا كالمستثنى وضعا (أَخَرَقْتَها) وبين عذره في الإنكار لما في غاية الخرق من الفظاعة فقال : (لِتُغْرِقَ أَهْلَها) فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء التحتية مفتوحة وفتح الراء ورفع اللام من أهلها والباقون بالتاء الفوقية مضمومة وكسر الراء ونصب لام أهلها ، ثم قال له موسى : والله (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) أي : عظيما منكرا.
(قالَ) الخضر : (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ) يا موسى (لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) فذكره بما قال له عند الشرط. (قالَ) موسى : (لا تُؤاخِذْنِي) يا خضر (بِما نَسِيتُ) أي : غفلت عن التسليم لك وترك الإنكار عليك ، قال ابن عباس : إنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام أي : وهي التورية بالشيء عن الشيء ، وفي المثل : «إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب» (١) ، أي : سعة فكأنه نسي شيئا آخر ، وقيل معناه : بما تركت من عهدك والنسيان الترك. وروي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا» (٢)(وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً) أي : لا تكلفني مشقة يقال : أرهقه عسرا وأرهقته عسرا أي : كلفته ذلك ، يقول : لا تضيق علي أمري ولا تعسر متابعتك علي ويسرها علي بالإغضاء وترك المناقشة وعاملني باليسر ولا تعاملني بالعسر ، وعسرا مفعول ثان لترهقني من أرهقه كذا إذا حمله إياه وغشاه به وما في (بِما نَسِيتُ) مصدرية أو بمعنى الذي والعائد محذوف. وروي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء ، وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فحشا به الخرق ، وروي أن الخضر أخذ قدحا من زجاج ورقع به خرق السفينة فإن قيل : قول موسى أخرقتها لتغرق أهلها إن كان صادقا في هذا دل ذلك على صدور ذنب عظيم من الخضر إن كان نبيا ، وإن كان كاذبا دل ذلك على صدور الذنب من موسى وأيضا فقد التزم موسى أن لا يعترض عليه وجرت العهود المذكورة بذلك ثم إنه خالف تلك العهود وذلك ذنب أجيب : بأن كلا منهما صادق فيما قال موف بحسب ما عنده ، أما موسى فإنه ما خطر له قط أن يعاهد على أن لا ينهى بما يعتقده منكرا ، وأما الخضر فإنه عقد على ما في نفس الأمر أنه لا يقدم على منكر.
(فَانْطَلَقا) بعد نزولهما من السفينة وسلامتهما من الغرق والعطب (حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً) قال ابن عباس : لم يبلغ الحنث (فَقَتَلَهُ) حين لقيه كما دلت عليه الفاء العاطفة على الشرط ، قال البغوي في القصة : إنهما خرجا من البحر يمشيان فمرّا بغلمان يلعبون فأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين ، قال السدي : كان أحسنهم وجها كان وجهه يتوقد حسنا ، قال البغوي :
__________________
(١) هو من حديث رسول الله صلىاللهعليهوسلم. انظر البخاري في الأدب باب ١١٦ ، وأبا داود في الأدب باب ٧١ ، والأيمان باب ٧.
(٢) أخرجه البخاري في الشروط حديث ٢٧٢٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
