لَدُنِّي) أي : من قبلي (عُذْراً) باعتراضي مرّتين واحتمالك لي فيهما ، وقد أخبر الله بحسن حالك في غزارة علمك فمدحه بهذه الطريقة من حيث إنه احتمله مرّتين أوّلا وثانيا مع قرب المدّة روي عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك ، ولو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب» (١) وعن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «رحمة الله علينا وعلى موسى ـ وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه ـ لو لا أن عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة أي : حياء وإشفاق ، فقال : إن سألتك إلى آخره» (٢) ، وقرأ نافع بضم الدال وتخفيف النون ، وقرأ شعبة كذلك إلا أنه يشم الدال فتصير ساكنة قريبة من الضم والباقون بضم الدال وتشديد النون.
(فَانْطَلَقا) أي : موسى والخضر يمشيان لينظر الخضر أمرا ينفذ فيه ما عنده من علمه وورش يغلظ اللام في لفظ انطلقا على أصله بعد قتل الغلام (حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ) قال ابن عباس : هي أنطاكية ، وقال ابن سيرين : هي الأيلة وهي أبعد أرض الله من السماء وعبر عنها بالقرية دون المدينة لأنه أدل على الذمّ ، وقيل : برقة ، وعن أبي هريرة بلدة بالأندلس (اسْتَطْعَما أَهْلَها) أي : طلبا من أهل القرية أن يطعموهما ، وفي الحديث أنهما كانا يمشيان على مجالس أولئك القوم يستطعمانهم (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) أي : أن ينزلوهما ويطعموهما يقال : ضافه إذا كان له ضيفا وحقيقته مال إليه من ضاف السهم عن الغرض وضيفه وأضافه أنزله وجعله ضيفا فإن قيل : الاستطعام ليس من عادة الكرام وكيف قدم عليه موسى والخضر وقد حكى الله تعالى عن موسى أنه قال عند ورود ماء مدين. ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير؟ أجيب : بأن إقدام الجائع على الاستطعام أمر مباح في كل الشرائع بل ربما وجب ذلك عند الخوف من الضرر الشديد فإن قيل : لم قال : (حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) ولم يقل : استطعماهم؟ أجيب : بأن التكرير قد يكون للتأكيد كقول الشاعر (٣) :
|
ليت الغراب غداة يبعث دائبا |
|
كان الغراب مقطع الأوداج |
وعن قتادة شر القرى التي لا تضيف الضيف.
فائدة : قال الرازي : وفي كتب الحكايات أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول هذه الآية استحيوا وجاؤوا إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم بحمل من الذهب وقالوا : يا رسول الله جئناك بهذا الذهب لتجعل الباء تاء حتى تصير القراءة هكذا فأتوا أن يضيفوهما أي : أتيناهم لأجل الضيافة حتى يندفع عنا هذا اللوم فامتنع رسول الله صلىاللهعليهوسلم وقال : «تغيير هذه النقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله تعالى وذلك يوجب القدح في الإلهية» (٤) فعلمنا أن تغيير النقطة الواحدة من القرآن يوجب بطلان الربوبية والعبودية. ولما أبوا أن يضيفوهما انصرفا (فَوَجَدا فِيها) أي : القرية ولم يقل فيهم إيذانا بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع (جِداراً) أي : حائطا مائلا مشرفا على السقوط ولذا قال : مستعيرا لما لم يعقل صفة من يعقل (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ) أي : يسقط وهذا من مجاز كلام العرب لأنّ
__________________
(١) أخرجه أبو داود في حديث ٣٩٨٤.
(٢) أخرجه مسلم في الفضائل حديث ٣٩٨٤ ، وأبو داود حديث ٣٩٨٤.
(٣) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي.
(٤) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
