جواب القسم ، أو المعنى : حتى تحلفوا بالله لتأتنني به (إِلَّا ،) أي : في حال (أَنْ يُحاطَ ،) أي : تحصل الإحاطة بمصيبة من المصائب لا طاقة لكم بها (بِكُمْ) فتهلكوا من عند آخركم كل ذلك زيادة في التوثيق بما حصل له من المصيبة بيوسف عليهالسلام ، وإن كان الاعتماد في حفظه إنما هو على الله تعالى ، وهذا من باب اعقلها وتوكل ، فأجابوه إلى ذلك كما قال تعالى : (فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ) بذلك (قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ) نحن وأنتم (وَكِيلٌ ،) أي : شهيد ، وأرسله معهم بعد ذلك.
فإن قيل : لم أرسله معهم وقد شاهد منهم ما شاهد في يوسف عليهالسلام؟ أجيب : بأن ذلك لوجوه : أحدها : أنهم كبروا ومالوا إلى الخير والصلاح ، الثاني : أنه كان شاهد أنه ليس بينهم وبين بنيامين من الحسد والحقد مثل ما كان بينهم وبين يوسف عليهالسلام ، الثالث : لعل الله أوحى إليه وضمن حفظه وإيصاله إليه.
(وَ) لما عزموا على الخروج إلى مصر وكانوا موصوفين بالكمال والجمال وأبناء رجل واحد (قالَ) لهم (يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا) إذا قدمتم إلى مصر (مِنْ بابٍ واحِدٍ) من أبوابها (وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ) واحترز من أن تكون متلاصقة أو متقاربة جدا بقوله : (مُتَفَرِّقَةٍ ،) أي : تفرّقا كثيرا ، وهذا حكم التكليف لئلا يصابوا بالعين ، وهي من قدر الله تعالى.
وقد ورد شرعنا بذلك ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة أنّ النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «العين حق» (١). وفي رواية عن أحمد «يحضرها الشيطان وحسد ابن آدم» (٢). وفي رواية لمسلم : «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» (٣). وفي رواية عن جابر : «إنّ العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر» (٤) ، وفي رواية أنه صلىاللهعليهوسلم كان يعوّذ الحسن والحسين فيقول : «أعيذ كما بكلمات الله التامّة من كل شيطان وهامّة ومن كل عين لامّة». ويقول : «هكذا كان يعوّذ إبراهيم إسماعيل وإسحاق» (٥) صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر النبيين ، وعن عبادة بن الصامت قال : دخلت على رسول الله صلىاللهعليهوسلم في أوّل النهار فوجدته شديد الوجع ، ثم عدت إليه في آخر النهار فرأيته معافى فقال : «إنّ جبريل عليهالسلام أتاني فرقاني فقال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من كل عين وحاسد الله يشفيك ، قال فأفقت» (٦) وفي رواية أنّ بني جعفر بن أبي طالب كانوا غلمانا بيضا فقالت أسماء : يا رسول الله ، إنّ العين إليهم سريعة فاسترق لهم من العين؟ فقال لها : «نعم» (٧). وفي
__________________
(١) أخرجه البخاري في الطب حديث ٥٧٤٠ ، ومسلم في السّلام حديث ٢١٨٧ ، وأبو داود في الطب حديث ٣٨٧٩ ، والترمذي في الطب حديث ٢٠٦١ ، وابن ماجه في الطب حديث ٣٥٠٦ ، وأحمد في المسند ٢ / ٢٨٩ ، ٣١٩ ، ٤٢٠ ، ٤٨٧ ، ٤ / ٦٧ ، ٥ / ٣٧٩.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٢ / ٤٣٩.
(٣) أخرجه مسلم في السّلام حديث ٢١٨٨ ، وابن حجر في فتح الباري ١٠ / ٢٠٣.
(٤) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٦ / ٢٥٨ ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ٧ / ٩٠ ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٩ / ٢٤٤.
(٥) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث ٣٣٧١ ، وأبو داود في السنة حديث ٤٧٣٧ ، والترمذي في الطب حديث ٢٠٦٠ ، وابن ماجه في الطب حديث ٢٥٢٥ ، وأحمد في المسند ١ / ٢٧٠.
(٦) أخرجه ابن ماجه في الطب حديث ٣٥٢٧.
(٧) انظر الحاشية التالية.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
