إلا الله تعالى (فَاللهُ) المحيط علما وقدرة (خَيْرٌ حافِظاً) منكم ومن كل أحد ، ففيه التفويض إلى الله تعالى والاعتماد عليه في جميع الأمور. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بفتح الحاء وألف بعدها وكسر الفاء ، والباقون بكسر الحاء وسكون الفاء ، وهو منصوب على التمييز في القراءتين ، وتحتمل الأولى النصب على الحال اللازمة (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ،) أي : ارحم بي من أن يفجعني به بعد مصيبتي بأخيه فلا يجمع عليّ مصيبتين.
(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥))
(وَلَمَّا) أرادوا تفريغ ما قدموا به من الميرة (فَتَحُوا مَتاعَهُمْ ،) أي : أوعيتهم التي حملوها من مصر (وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ ،) أي : ما كان معهم من كنعان لشراء القوت (رُدَّتْ إِلَيْهِمْ) والوجدان ظهور الشيء للنفس بحاسة أو ما يغني عنها ، فكأنه قيل : ما قالوا؟ فقيل : (قالُوا ،) أي : لأبيهم عليهالسلام (يا أَبانا ما) استفهامية ، أي : أي شيء (نَبْغِي ،) أي : نريد جميع القراء أثبتوا الياء وقفا ووصلا لثباتها في الرسم ، فكأنه قال لهم : ما الخبر؟ فقالوا بيانا لذلك؟ وتأكيدا للسؤال في استصحاب أخيهم : (هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا) هل من مزيد على ذلك أكرمنا وأحسن مثوانا وباع منا وردّ علينا متاعنا.
ولما كان التقدير ونرجع بها إليه بأخينا ، فيظهر له نصحنا وصدقنا (وَنَمِيرُ أَهْلَنا ،) أي : نجلب إليهم الميرة برجوعنا إليه ، والميرة الأطعمة التي تحمل من بلد إلى بلد (وَنَحْفَظُ أَخانا) فلا يصيبه شيء مما تخشى عليه تأكيدا للوعد بحفظه (وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ) لأخينا (ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ،) أي : سهل على الملك لسخائه وحرصه على البذل ، وقيل : قصير المدّة ليس سبيل مثله أن تطول مدّته بحسب الحبس والتأخير ، وقيل : قليل فابعث أخانا حتى نبدل تلك القلة بالكثرة ، فكأنه قيل : ما قال لهم؟ فقيل :
(قالَ) يعقوب عليهالسلام : (لَنْ أُرْسِلَهُ ،) أي : بنيامين كائنا (مَعَكُمْ ،) أي : في وقت من الأوقات (حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً) أي : عهد مؤكدا (مِنَ اللهِ) قرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد النون وقفا ووصلا ، وأبو عمرو بإثبات الياء وقفا لا وصلا ، وحذفها الباقون وقفا ووصلا ، وقوله : (لَتَأْتُنَّنِي ،) أي : كلكم (بِهِ) أي : تحلفوا بالله لتأتنني به من الإتيان ، وهو المجيء في كل حال
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
