رواية دخل رسول الله صلىاللهعليهوسلم بيت أمّ سلمة وعندها صبي يشتكي فقالوا : يا رسول الله أصابته العين. فقال : «أما تسترقون له من العين» (١). وعن عائشة رضي الله تعالى عنها «كان يؤمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين الذي أصيب بالعين» (٢).
ولما خاف يعقوب عليهالسلام أن يسبق من أمره هذا إلى بعض الأوهام أنّ الحذر يغني عن القدر نفى ذلك بقوله عليهالسلام (وَما أُغْنِي ،) أي : أدفع (عَنْكُمْ) بقولي ذلك (مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) قدره عليكم ، وإنما ذلك شفقة ، ومن مزيدة للتأكيد ، واعلم أنّ الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم بأن يجزم بأنه لا يحصل الا ما قدره الله تعالى وإن الحذر لا يدفع القدر ، فالإنسان مأمور بأن يحذر الأشياء المهلكة والأغذية الضارة ، ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضارّ بقدر الإمكان ، ومع ذلك يكون جازما بأنه لا يصل إليه إلا ما قدّره الله تعالى ، ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله تعالى ، فقوله عليهالسلام : (لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ) إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم ، وقوله : (وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب بل إلى التوحيد المحض ، والبراءة من كل شيء سوى الله تعالى. ولما قصر الأمر كله إليه تعالى وجب رد كل أمر إليه ، وقصر النظر عليه ، فقال منبها على ذلك (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) وحده الذي ليس الحكم إلا له (عَلَيْهِ ،) أي : على الله وحده (تَوَكَّلْتُ ،) أي : جعلته وكيلي فرضيت بكل ما يفعل (وَعَلَيْهِ) وحده (فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ،) أي : الثابتون في باب التوكل ، فإنّ ذلك من أعظم الواجبات من فعله فاز ومن أغفله خاب ، وقد ثبت بالبرهان أن لا حكم إلا لله ، فلزم القطع بأنّ حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله تعالى ، وذلك يوجب أن لا توكل إلا على الله تعالى ، فهذا مقام شريف عال.
والشيخ أبو حامد الغزالي أكثر في تقرير هذا المعنى في كتاب التوكل من كتب «إحياء علوم الدين» فمن أراد الاستقصاء فيه فليطالع ذلك الكتاب.
ولما قال يعقوب عليهالسلام : (وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) صدّقه الله تعالى في ذلك فقال :
(وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ،) أي : متفرّقين (ما كانَ) ذلك التفرّق (يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ ،) أي : من قضائه وأغرق في النفي فقال : (مِنْ شَيْءٍ ،) أي : مما قضاه عليهم كما تقدّم من قول يعقوب عليهالسلام فسرّقوا وأخذ بنيامين بوجدان الصواع في رحله وتضاعفت المصيبة على يعقوب عليهالسلام وقوله تعالى : (إِلَّا حاجَةً) استثناء منقطع ، أي : لكن حاجة (فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ) وهي الوصول إلى ما أمر به شفقة عليهم (قَضاها) يعقوب عليهالسلام وأبرزها من نفسه إلى أولاده فعملوا فيها بمراده فاغنى عنهم الخلاص من عقوق أبيهم فقط (وَإِنَّهُ ،) أي : يعقوب عليهالسلام مع أمره لبنيه بذلك (لَذُو عِلْمٍ ،) أي : معرفة بالحكمين حكم التكليف وحكم التقدير واطلاع على الكونين عظيم (لِما عَلَّمْناهُ) بالوحي ونصب الحجج ، ولذلك قال : (وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) ولم يغتر بتدبيره. ولما كان قد يظنّ أنّ كل أحد يكون كذلك ، أي : يعلم ما علمه نفى ذلك سبحانه وتعالى بقوله جل شأنه : (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ،) أي : لأجل ما نالهم من الاضطراب (لا يَعْلَمُونَ ،) أي : ليسوا بذوي علم لما علمناهم لإعراضهم عنه واستفراغ قواهم في
__________________
(١) أخرجه مالك في العين حديث ٣ ، ٤.
(٢) أخرجه أبو داود في الطب حديث ٣٨٨٠.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ٢ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4028_tafsir-alkhatib-alshirbini-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
