ينسبون الرزق لذلك النوء ؛ فهذا يخرج على قول المنجمة : إن النجوم هي مدبرة العالم ورازقتهم ؛ لا يجعلون لله تعالى في ذلك تدبيرا.
فأما من ينسب الرزق إلى الله تعالى ، ويقول : رزقنا الله بنوء كذا ، فليس في ذلك تكذيبه ؛ إنما يخرج ذكر النوء ذكر سبب من الأسباب التي يرزق الله تعالى بها ، وكذلك من رأى الرزق من الأسباب خاصة ، وأما من يقول : رزقنا تعالى بسبب كذا ، فذلك جائز القول به.
وقال بعضهم : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) أي : تجعلون شكر الرزق التكذيب ؛ وبه قال أبو عبيدة.
وجائز أن يكون تكذيبهم الرزق : صرف تسمية الألوهية إلى غير الذي رزقهم ، والعبادة لغير المستحق لها ، والله أعلم.
وقال الحسن : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) بئسما أخذ القوم لأنفسهم ؛ حتى لم يرزقوا من كتاب الله تعالى إلا التكذيب ؛ يقول : صار حظكم من القرآن التكذيب (١) ، ويجعل هذه الآية مع الآية الأولى : (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ).
وقال أبو بكر الأصم في هذه الآية : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) ، وهو هذا القرآن الذي خصكم به دون آبائكم ، ورزقتم به ما لم يرزق آباؤكم منه ، ثم جعلتم تكذبون بذلك الرزق الذي خصصتم به ورزقتم ، أو كلام من نحوه ، وهو كقوله تعالى : (وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ) [الأنعام : ٩١].
وقال في قوله تعالى : (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) : هو الذي يرى الموافقة ، ويحتال في دفع حجة ما يلزمه ويرد عليه ، أو كلام يشبه معناه هذا ، والله أعلم.
وقال أبو معاذ : مدّهن ومدهن لغتان ، ثم أصل المداهنة من المخادعة ، يقال : داهنته وادهنته.
ثم الفرق بين المداهنة والمداراة كأن المداهنة ؛ لطمع له فيه مخادعة حتى يصل إلى ما يطمع ، والمداراة الشفقة ، يداريه إشفاقا عليه ليتحقق له عليه الحق ؛ ليسلم له دينه ، وإلا هما في الظاهر واحد ، وهما الملاينة وخفض الجناح ، لكن الفرق بينهما ما ذكرنا ، والله أعلم.
وقوله : (فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ) ، ليس هذا الكلام صلة ما تقدم
__________________
(١) أخرجه ابن جرير عنه (٣٣٥٦٧) ، (٣٣٥٦٨).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٩ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3983_tawilat-ahl-alsunna-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
